باب الحثّ عَلَى التثبت فيما يقوله ويحكيه


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَولٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

1547 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كَفَى بالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ». رواه مسلم.

1548 - وعن سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَديثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ». رواه مسلم.

1549 - وعن أسماء رَضِيَ اللهُ عنها: أنَّ امْرأةً قالت: يَا رسولَ الله، إنَّ لِي ضَرَّةً فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ إنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِيني؟ فَقَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «المُتَشَبِّعُ بِما لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». متفق عَلَيْهِ.
«وَالمُتَشَبِّعُ»: هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الشَّبَعَ وَلَيْسَ بِشَبْعَان. ومعناهُ هُنَا: أَنْ يُظْهِرَ أنَّهُ حَصَلَ لَهُ فَضيلَةٌ وَلَيْسَتْ حَاصِلَةً.
«وَلابِسُ ثَوْبَي زُورٍ» أيْ: ذَوَي زُورٍ، وَهُوَ الَّذِي يُزَوِّرُ عَلَى النَّاسِ، بِأنْ يَتَزَيَّى بِزِيِّ أهْلِ الزُّهْدِ أَو العِلْمِ أَو الثَّرْوَةِ، لِيَغْتَرَّ بِهِ النَّاسُ وَلَيْسَ هُوَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. وَقَيلَ غَيرُ ذَلِكَ واللهُ أعْلَمُ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- يعني أنّ الإنسان إذا صار يحدث بكل ما سمع من غير تثبت وتأن، فإنه يكون عرضة للكذب، وهذا هو الواقع، ولهذا يجيء إليك بعض الناس يقولون: صار كذا وكذا. ثم إذا بحثت وجدت أنه لم يكن، وأعظم شيء أن يكون هذا فيما يتعلق بحكم الله وشريعته، بأن يكذب على الله فيقول في القرآن برأيه، ويفسر القرآن بغير ما أراد الله، أو يكذب على النبي ﷺ يقول: قال النبي ﷺ كذا. وهو كاذب، أو ينقل حديثا يرى أنه كذب وهو لم يكذبه ولكن يقول: "قال فلان كذا وكذا عن رسول الله ﷺ" وهو يرى أنه كذب، فإنه يكون أحد الكاذبين، كما بين ذلك النبي ﷺ.
- يزداد إثماً التقول إذا تشبع الإنسان بما لم يعط، كما في حديث المرأة أنّها يكون لها ضرة، يعني زوجة أخرى مع زوجها، فتقول إنّ زوجي أعطاني كذا، وأعطاني كذا، وهي كاذبة، لكن تريد أن تراغم (تغيظ) ضرتها وتفسدها على زوجها، فهذا كما قال النبي ﷺ: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور) أي: كذب.
- الحاصل أنّه يجب على الإنسان أن يتثبت فيما يقول، ويتثبت فيمن ينقل إليه الخبر، هل هو ثقة، أو غير ثقة كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 7]، ولاسيما إذا كثرت الأهواء وصار الناس يتخبطون ويكثرون من القيل والقال بلا تثبت ولا بينة، فإنه يكون التثبت أشد وجوبا، حتى لا يقع الإنسان في المهلكة.
قال ابن باز﵀:
- يكفي بأن يوصف بالكذب كونه ما يبالي، كلما سمع حدث به، "صار كذا، وجرى كذا" وفيه الشيء الكثير الكذب، فيكون تحدث بالكذب، وأقر الكذب فيكون كاذباً، فينبغي له أن ينتقي، وألا يتحدث إلا بالشيء الذي يرى أنه صواب، وأنّه طيب، وأنّه نافع، لا يحدث كلما سمع، قال ﷺ: (بئس مطيَّة الرجل زعموا).
- الإنسان يتثبت ويتأمل حتى لا يتكلم إلا عن بصيرة، هكذا المؤمن تقدم على من يذيع القول على غير بصيرة؛ فالواجب على المؤمن أن يحذر ذلك، قال الله سبحانه في ذم من فعل هذا: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: 83]، يعني: لم يبالوا ولم يتثبتوا حتى يردوه إلى من يستنبطه ويعرف طيبه من خبيثه.
- (من حدث عني حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) هذا ذم وعيب لمن لا يتثبت، فالواجب متى ظن أنّ الحديث كذب، أو علمه كذباً، لا يحدث به، إلا مبيناً كذبه، يقول هذا كذب غير صحيح، أما يتكلم ويسكت فهو أحد الكاذبين.
- (كلابس ثوبي زور) كإنسان لبس ثوبي زور كذب، المعنى :كالذي يزور مرتين، يكذب مرتين، ومعلوم ما يترتب على قولها: "إنّ زوجها أعطاها كذا، وأعطاها كذا من الشر"، فإن الزوجة الثانية تطالب تقول: "أعطيت فلانة، ما أعطيتني"، فيقع الشجار بين الرجل وأهله والفتنة، كون المرأة الذي لها ضرة تدعي أشياء أنها أعطاها زوجها كذا وهي تكذب، هذه يضر زوجها، ويضر ضرتها، ويضرها هي أيضاً، قد يكون سبباً لطلاقها، فالواجب الصدق، وألا تتشبع بما لم تعط، وألا تدعي كذباً تضر زوجها، وتسبب مشاكل بينه وبين زوجته الأخرى.

باب بيان غلظ تحريم شهادة الزُّور


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]، وقال تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لبالمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 16]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72].

1550 - وعن أَبي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «ألاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» قُلْنَا: بَلَى يَا رسولَ اللهِ. قَالَ: «الإشْراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» وكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «ألا وَقَولُ الزُّورِ». فما زال يُكَرِّرُهَا حَتَّى قلنا: لَيْتَهُ سَكَتَ . متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- (ألا) استفتح بها النبي ﷺ كلامه للتنبيه، تنبيه المخاطب إلى أمر ذي شأن.
- الأول: (الشرك بالله) وهذا أعظم الظلم، وأكبر الكبائر، وأشد الذنوب عقوبة؛ لأنّ ﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة: 72].
- الثاني: (عقوق الوالدين) يعني قطع برهما، والوالدان هم: الأب والأم، والواجب على الإنسان أن يبر بهما، وأن يخدمهما بقدر ما يستطيع، وأن يطيعهما إلا ما فيه ضرر، أو معصية لله، فإنه لا يطيعهما.
- الثالث: (ألا وقول الزور) وإنّما عظم النبي ﷺ أمرها؛ لكثرة الوقوع فيها، وعدم اهتمام الناس بها، فأرى ﷺ الناس أن أمرها عظيم، كان يحدث عن الشرك وعقوق الوالدين وهو متكئ، ثم جلس اهتمامًا بالأمر، وتعظيمًا لما سيقول.
- هذا دليلٌ على عظم شهادة الزور، وقول الزور، وعلى الإنسان أن يتوب إلى الله من هذا؛ لأنه يتضمن ظلم نفسه، وظلم من شهد له.


باب تحريم لعن إنسان بعينه أَوْ دابة


1551 - عن أَبي زيدٍ ثابت بن الضَّحَّاك الأنصاريِّ - رضي الله عنه - وَهُوَ من أهلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلاَمِ كاذِبًا مُتَعَمِّدًا، فَهُوَ كَما قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ، عُذِّبَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فيما لا يَمْلِكُهُ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ». متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- هذا يدل على أنّ الحلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا من كبائر الذنوب، فإن كان غير كاذب، بأن كان صادقًا فإنه لا يلحقه هذا الوعيد، لكننا نقول له إذا كنت حالفًا فاحلف بالله، كما قال الرسول ﷺ: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت)، وكذلك إن كان قال ذلك غير متعمد، بأن يظن أن الأمر كذلك، وتبين أن الأمر على خلاف ما اعتقد، فإنه لا يدخل في هذا الوعيد.
- فيه أنّ الإنسان إذا حلف بالله على شيء معتقدًا أنه كما حلف، ثم تبين أنه على خلاف اعتقاده، فإنه لا إثم عليه، ولا كفارة عليه، مثال ذلك: لو قال: فلان سيقدم غدا متأكد، يقول: إني متأكد، والله ليقدمن غدا، قال ذلك بناء على ظنه، ثم لم يقدم، فلا كفارة عليه؛ لأنه حلف على ظنه غير متعمد.
- (من قتل نفسه بشيء، عذب به في جهنم) يعني: إذا قتل الإنسان نفسه بشيء، فإنه يعذب به في جهنم، رجل أكل سُمًّا ليموت، فمات، فإنه يتحسى هذا السم في جهنم خالدًا مخلدًا فيها.
- اعلم أنه قد ورد فيمن قتل نفسه بشيء أنه يعذب به في جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، فذكر التأبيد، فهل يعني ذلك أنه كافر؟ لأنه لا يستحق الخلود المؤبد إلا الكفار، الجواب: لا ليس بكافر؟ بل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدعى له بالمغفرة كما فعل النبي ﷺ في الرجل الذي قتل نفسه بمشاقص، فقدم إلى الرسول ﷺ ليصلي عليه، لكنه لم يصل عليه، وقال: (صلوا عليه)، فصلوا عليه، بأمر الرسول ﷺ، وهذا يدل على أنه ليس بكافر، وحينئذ لا يستحق الخلود المؤبد، فما ذكر في الحديث من ذكر التأبيد، وإن كانت اللفظة محفوظة عن النبي ﷺ، فالمراد شدة التهديد، والتنفير من هذا العمل، وإلا فليس بكافر.
- (لعن المؤمن كقتله) يعني إذا قلت للمؤمن: "لعنك الله"، فكأنما قتلته؛ لأن اللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومن طرد وأبعد عن رحمة الله، صار كالمقتول الذي عدم الحياة الدنيا، فإن ذلك المطرود المبعد عن رحمة الله، حرم حياة الآخرة، والقتل يحرم به المقتول من الحياة الدنيا.
- اعلم أنّ لعن المؤمن من كبائر الذنوب، وأنّه لا يحل، وأنّ من لعن مؤمنًا فإن اللعنة تذهب إلى الملعون، إن كان أهلًا لها فقد استحقها، وإن لم يكن أهلًا لها رجعت إلى قائلها، والعياذ بالله، فصار هو الملعون، المطرود عن رحمة الله.
- (ولا نذر على ابن آدم فيما لا يملك) يعني: الإنسان ليس عليه نذر فيما لا يملك، فلو نذر قال: "لله علي نذر أن أتصدق بمال فلان"، فهذا لغو، ولا ينعقد النذر؛ لأن مال فلان ليس مُلكًا له.
- اعلم أنّ النذر مكروه، نهى عنه النبي ﷺ، نهى عن النذر، وقال: (إنّه لا يأتي بخير، ولا يرد قضاء، وإنّما يستخرج به من البخيل)، وكثير من الناس يكون عنده مريض، أو يضيع له مال، فينذر إن شفى الله مريضه أن يصوم، أو يحج، أو يتصدق، أو يعتمر، أو يفعل شيئًا من الطاعات، ثم إذا قدر الله الشفاء ذهب يسأل العلماء يريد أن يتخلص مما نذر، وربما يكسل، ويترك ما نذر، وهذا خطر، خطر عظيم، إذا نذرت لله تعالى شيئًا على شيء يحققه الله لك، ثم تحقق، فلم توف، فإن هذا خطر عظيم، يؤكده قوله تعالى: ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ۞ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ‎ ۞ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 75-77]، يعني ألقى الله في قلوبهم النفاق إلى الموت والعياذ بالله وهذا وعيد شديد.
قال ابن باز ﵀:
- شهادة الزور من أقبح الظلم، ومن أسباب شر كثير؛ ولهذا حرم الله ذلك ، قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ﴾ [الحج: 30]، فجعل قرين الشرك، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: 72]، فسرت الآية بمعنى: لا يشهدوا شهادة الزور، وفسرت بأنهم لا يحضرون الزور، يعني: المحرم، لا يحضرون المعاصي، ومجالس الشر.
- (ليته سكت) رفقاً عليه لكثرة ما كرر، يعني رفقاً به وشفقة عليه مما كرر التحذير من شهادة الزور، فشهادة الزور والأيمان الفاجرة كلها شر عظيم وفساد كبير فيجب الحذر من ذلك.
- هذا اللسان شره عظيم؛ فالواجب الحذر الواجب إمساكه وصيانته حتى لا تقول إلا خيراً، كما قال ﷺ: (من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).


1552 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا». رواه مسلم.

1553 - وعن أَبي الدرداءِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَكُونُ اللَّعَانُونَ شُفَعَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ ». رواه مسلم .
1554 - وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلاَعَنُوا بِلَعْنَةِ اللهِ، وَلاَ بِغَضَبِهِ، وَلاَ بِالنَّارِ». رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».
1555 - وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ ، وَلاَ اللَّعَّانِ، وَلاَ الفَاحِشِ، وَلاَ البَذِيِّ ». رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن».
قال ابن عثيمين ﵀:
- (لا تلاعنوا بلعنة الله، ولا بغضبه، ولا بالنار) يعني: لا يلعن بعضكم بعضًا بلعنة الله، فيقول لصاحبه: "لعنك الله"، ولا بغضبه فيقول: "غضب الله عليك"، ولا بالنار فيقول: "أدخلك الله النار"، كل هذا حذر منه النبي ﷺ؛ لأنه قد يقال لمن لا يستحقه.
- (ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء) وهذا يدل على أن هذه الأمور نقص في الإيمان، وأنها تسلب عن المؤمن حقيقة الإيمان، وكمال الإيمان، فلا يكون طعانًا يطعن في الناس بأنسابهم، أو بأعراضهم، أو بشكلهم، وهيئاتهم، أو بآمالهم.
- (ولا باللعان) الذي ليس له هم إلا اللعنة، قل كلمة "لعنك الله قل كذا"، أو يقول لأولاده: "لعنكم الله هاتوا هذا"، أو ما أشبه ذلك، فالمؤمن ليس باللعان.
- (ولا بالفاحش) الذي يفحش في كلامه، بصراخ، أو نحو ذلك.
- (ولا بالبذيء) الذي يعتدي على غيره، فالمؤمن مؤمن مسالم، ليس عنده فحش في قوله، ولا في فعله، ولا غير ذلك؛ لأنه مؤمن.

1556 - وعن أَبي الدرداء - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا، صَعدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّماءِ، فَتُغْلَقُ أبْوابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأرْضِ، فَتُغْلَقُ أبْوابُهَا دُونَها، ثُمَّ تَأخُذُ يَمينًا وَشِمالًا، فَإذا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فإنْ كَانَ أهْلًا لِذلِكَ، وإلاَّ رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا». رواه أَبُو داود.
قال ابن عثيمين ﵀:
- هذا وعيد شديد على من لعن، من ليس أهلًا للعن، فإنّ اللعنة تتجول في السماء والأرض، واليمين والشمال، ثم ترجع في النهاية إلى قائلها، إذا لم يكن الملعون أهلًا لها.

1557 - وعن عمران بن الحُصَيْنِ رضي الله عنهما، قَالَ: بَيْنَمَا رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في بَعْضِ أسْفَارِهِ، وَامْرأةٌ مِنَ الأنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا؛ فَإنَّهَا مَلْعُونَةٌ». قَالَ عمْرانُ: فَكَأنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي في النَّاسِ مَا يَعْرِضُ لَهَا أحَدٌ. رواه مسلم.

1558 - وعن أَبي بَرْزَةَ نَضْلَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأَسْلَمِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيْهَا بَعْضُ مَتَاعِ القَوْمِ. إِذْ بَصُرَتْ بِالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَضَايَقَ بِهِمُ الجَبَلُ فَقَالَتْ: حَلْ، اللَّهُمَّ الْعَنْهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ». رواه مسلم.
قَوْله: «حَلْ» بفتح الحاء المهملة وَإسكانِ اللاَّم: وَهِيَ كَلِمَةٌ لِزَجْرِ الإبِلِ.
وَاعْلَمْ أنَّ هَذَا الحَدِيثَ قَدْ يُسْتَشكَلُ مَعْنَاهُ، وَلاَ إشْكَالَ فِيهِ، بَلِ المُرَادُ النَّهْيُ أَنْ تُصَاحِبَهُمْ تِلْكَ النَّاقَةُ، وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ بَيْعِهَا وَذَبْحِهَا وَرُكُوبِهَا فِي غَيْرِ صُحْبَةِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بَلْ كُلُّ ذَلِكَ وَمَا سِوَاهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ جائِزٌ لا مَنْعَ مِنْهُ، إِلاَّ مِنْ مُصَاحَبَةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِهَا؛ لأنَّ هذِهِ التَّصَرُّفَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ جَائِزَةً فَمُنِعَ بَعْض مِنْهَا، فَبَقِيَ البَاقِي عَلَى مَا كَانَ، واللهُ أَعلم.
قال ابن عثيمين ﵀:
- هذا من باب التعزيز، تعزيز هذه المرأة أن تلعن دابة لا تستحق اللعن، ولهذا قال لا تصحبنا دابة ملعونة؛ لأنّ هذه المرأة لعنتها، والملعون لا ينبغي أن يُستعمل، فلذلك نهى النبي ﷺ عنها وتركها، فيكون هذا تعزيرًا للمرأة التي لعنت هذه الدابة، وهي لا تستحق.

قال ابن باز ﵀:
- هذا كله يبين لنا أنّ الواجب على المسلم حفظ لسانه، والحذر من الشتم واللعن وأن يكون ديدناً له وسجية له، يعالج الأمور بغير اللعن، يعالج الأمور، "افعل كذا يا فلان، دع كذا"، يعالج الأمور بغير اللعن، هذا هو الواجب على المؤمن.
- (خذوا ما عليها ودعوها) ليس معناه أنها خرجت عن ملك صاحبها، لا، يعني أنّ هذا من باب التأديب، وهي باقية على ملك صاحبها، لكن أخذ ما عليها من المتاع ولا تصحبنا، هذا نوع من التأديب لقائله للعن ومالك الدابة.