باب جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ألاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18]، وقال تَعَالَى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 44].
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَعنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ» وَأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبَا» وأنَّهُ لَعَنَ المُصَوِّرِينَ ، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ غيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ» أيْ حُدُودَهَا، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ» ، وأنَّهُ قَالَ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيهِ» وَ «لَعَنَ اللهُ من ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»، وَأنَّه قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلاَئِكَة والنَّاسِ أجْمَعينَ» ، وأنَّه قَالَ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا، وَذَكْوَانَ، وعُصَيَّةَ: عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ» وهذِهِ ثَلاَثُ قَبَائِلَ مِنَ العَرَبِ. وأنَّه قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» وأنهُ «لَعَنَ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّساءِ والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجالِ».
وَجَميعُ هذِهِ الألفاظِ في الصحيح؛ بعضُها في صَحيحَيّ البُخاري ومسلمٍ، وبعضها في أحَدِهِمَا، وإنما قصدت الاختِصَارَ بالإشارةِ إِلَيهمَا، وسأذكر معظمها في أبوابها من هَذَا الكتاب، إن شاء الله تَعَالَى.
قال ابن عثيمين ﵀:
- ذكر رحمه الله في جواز لعن أصحاب المعاصي غير المعينين؛ فيفرق بين العام والخاص ، العام لا يخص أحداً بعينه، والخاص هو أن يخص أحداً بعينه، فتخصيص أحد بعينه باللعن هذا حرام، ولا يجوز، أما على سبيل العموم فلا بأس.
- الواصلة: التي تصل الشعر بشعر آخر، حتى يرى شعرها وكأنّه طويل، أو كأنه ثخين يعني منتشر، والمستوصلة: التي تطلب من يصل هذا، فهاتان امرأتان ملعونتان على لسان الرسول ﷺ، الواصلة والمستوصلة.
- ما يسمى بالباروكة، بعض علمائنا المحققين قالوا: إنّ لبس الباروكة من الوصل، وأنّ التي تلبس الباروكة ولو للتجمل ملعونة، والعياذ بالله.
- "لعن الله من غير منار الأرض" يعني حدودها وذلك في الجيران، إذا كان الإنسان، مثلاً له جار في الأرض، فغير مراسم الحدود، أدخل شيئاً من أرض جاره إلى أرضه، فهذا ملعون على لسان النبي ﷺ وهو مع كونه ملعوناً، سوف يكلف يوم القيامة بأن يحمل ما أدخل من أرض جاره، يحمله على عنقه من سبع أرضين.
- لعن النبي ﷺ من لعن والديه، إذا إنسان قال لوالده، لأمه أو لأبيه لعنك الله، أو عليك لعنة الله، فإنه مستحق للعنة الله؛ لأنّ الوالدين حقهما البر والإحسان، ولين القول، فإذا لعنهما استحق اللعنة، ولكن الصحابة قالوا: يا رسول الله أيلعن الرجل والديه؟ هذا أمر لا يمكن، قال: نعم، يسب أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه، يعني يتنازع اثنان فيقول: أحدهما للآخر: لعن الله والديك، فيقول الثاني: بل أنت لعن الله والديك، فلما كان هو السبب في أن يلعن الآخر والديه، أعطي حكم من لعن والديه مباشرة، فهذان الشخصان لعنهما الرسول ﷺ.
- لعن الرسول ﷺ في الربا خمسة: الآكل، وهو الذي يأخذ الربا، وموكله وهو الذي يعطي الربا، وشاهديه، وهما اللذان يشهدان به، وكاتبه الذي يكتب بين المرابين، كل هؤلاء ملعونون على لسان الرسول ﷺ.
- ثبت عنه ﷺ أنّه لعن المصورين، لكن ليس كل مصور، بل المراد من صور ما به روح، إذا صور الإنسان ما فيه روح، كالآدمي وقرد وأسد وذئب وحشرات، وما أشبه ذلك إذا صورها فإنّه حرام عليه، لا يجوز بل هو ملعون على لسان النبي ﷺ، والصور التي تحرم هي الصورة التي مثل التمثال، على صورة إنسان أو حيوان فهذا حرام، وأما الأشجار وشبهها فإنّه لا بأس به، على القول الراجح الذي عليه جمهور العلماء، وأما ما يصنعه الإنسان فلا بأس به قطعاً، مثل أن يصور سيارة أو قطار أو ما أشبه ذلك.
- الصورة بالآلة الفوتوغرافية الفورية فهذه ليست من التصوير في شيء، ولا تدخل في قول الرسول ﷺ؛ لأنّك لم تصور في الواقع، وإنّما سلطت ضوءً معيناً، فليس هذا بتصوير وليس هذا بتخصيص للمصور بالآلة، إنّما يقال: هذا الذي صور صورة فوتوغرافية: إن كانت لمقصد حرام صارت حراماً، من باب تحريم الوسائل، وإن كانت لمقصد جائز فهي جائزة، ولا يقال: إنّ المصور في النار، ولذلك يجب أن يفرق الشخص بين التصوير وبين استعمال التصوير،كما فرق بين ذلك أهل العلم.
- السارق هو الذي يأخذ المال بخفية من حرز مثله، إذا سرق نصاباً، وهو ربع دينار أو ما يساويه من الدراهم أو المتاع فإنّها تقطع يده اليمنى من مفصل الكف، ولا فرق بين أن يكون السارق شريفًا أو وضيعاً أو ذكرا أو أنثى؛ لأنّ النبي ﷺ أمر بقطع يد المرأة المخزومية التي كانت تستعير المتاع فتجحده.
- الذبح لغير الله شرك؛ لأنّه عبادة، والعبادة إذا صرفها الإنسان لغير الله كان مشركاً، وهذا إذا وقع الذبح عبادةً وتقرباً وتعظيماً، أما إذا وقع الذبح لغير الله، على سبيل الإكرام،كإكرام الضيف، فلا بأس، بل هذا مما يؤمر به، وتارة يذبح لغير الله يعني لقصد الأكل، إنسان يريد أن يأكل لحما فذبح ذبيحة يريد بها الأكل هذا أيضا ليس بشرك، لكن الشرك إذا ذبحه تعبداً وتقرباً وتعظيماً، هذا شرك أكبر، مخرج من الملة.
- (من أحدث في المدينة حدثاً أو آوى محدثاً)، والحدث هنا يراد به شيئان:
• الأول: البدعة: فمن ابتدع فيها بدعة، فقد أحدث فيها، فمن ابتدع في دين الله ما لم يشرعه الله في المدينة، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لأنّ المدينة مدينة السنة، مدينة النبوة، فكيف يحدث فيها حدث مضاد، لسنة الرسول ﷺ.
• الثاني: الفتنة، أنّ يحدث فيها فتنة بين المسلمين سواء، أدت إلى إراقة الدماء أو إلى ما دون ذلك من العداوة والبغضاء والتشتت، فإن من أحدث هذا الحدث، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، أما من أحدث معصية، عصى الله فيها، فإنّه لا ينطبق عليه هذا الوعيد، بل يقال: إن السيئة في المدينة أعظم من السيئة فيما دونها، ولكن صاحبها لا يستحق اللعن.
- رعلاً وذكوان وعصية، هؤلاء قبائل من العرب حصل منهم عدوان على أصحاب النبي ﷺ، فدعا عليهم الرسول ﷺ باللعنة، بل لعن القبيلة كلها، والمراد من حدث منهم هذا الحدث وهو الاعتداء على أصحاب رسول الله ﷺ.
- قوله ﷺ: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، بين النبي ﷺ سبب لعنه إياهم، أنّهم يبنون المساجد على قبور أنبيائهم، ويصلون فيها، فهذا من فعله فهو ملعون، إن كان من اليهود أو من النصارى أو ممن يدعي أنه مسلم، فإنّه ملعون على لسان رسول الله ﷺ.
- إذا بني المسجد على القبر، ولو صلى الإنسان فيه لله ﷿، لا لصاحب القبر فإنّ صلاته باطلة محرمة، يجب عليه إعادتها، وهذا المسجد الذي بني، يجب هدمه، ولا يجوز الصلاة فيه، أما لو كان المسجد قائماً، ثم دفن به أحد من الصالحين أو من الأمراء أو من الوزراء أو من الرؤساء فإنّه يجب أن ينبش القبر وأن يدفن في المكان الذي تدفن فيه الناس، ولا يجوز إبقاؤه لأنّ المساجد لم تبن ليُقبر فيها، إنما بنيت للصلاة وذكر الله وقراءة القرآن.
- إذا شككنا هل بني المسجد أولاً ودفن فيه الميت؟ أم دفن الميت ثم بني عليه المسجد؟ فالاحتياط ألا يصلى فيه لله، وأن يبتعد عنه لئلا يعرض صلاته للخطر.
- التشبه يكون بالأقوال، والأفعال، والهيئات، واللباس تشبه الرجل بالمرأة من كبائر الذنوب، وتشبه المرأة بالرجل كذلك من كبائر الذنوب، من تشبه من الرجال بالنساء فهو ملعون، ومن تشبه من النساء بالرجال فهي ملعونة على سبيل العموم.

باب تحريم سب المسلم بغير حق


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا، فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
1559 - وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتالُهُ كُفْرٌ». متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
-سباب المسلم: يعني عيبه ووصفه بما يكره في حضوره، أما إذا كان في غيبته فهو غيبة.
- إذا أوذي المؤمن بما اكتسب، فليس في ذلك بأس، يعني لو آذيت إنساناً ردا على فعل له آذاك، فأذيته فلا بأس، أو آذى إنساناً، لإقامة حد لله ﷿، أو آذى لأداء حق عليه أبى أن يقوم به فلا بأس.
- كلما كان الإنسان أحق بالإكرام،كانت أذيته أعظم وأكبر إثماً، فأذية القريب ليست كأذية البعيد، وأذية الجار ليست كأذية غير الجار، وأذية من له حق عليك، ليست كأذية من لا حق له عليك، فالأذية تتفاوت إثمها وجرمها بحسب المؤذي.
- الفسق أهون من الكفر؛ لأنّه جعل السب فسوقاً، والمقاتلة جعلها كفراً، فإن استحل المقاتلة بغير حق، فهو كافر كفراً مخرجا عن الملة، وإن لم يستحلها ولكن لهوى في نفسه، فإنّه يكون كافراً، لكنه كفر لا يخرج من الملة.

1560 - وعن أَبي ذرٍ - رضي الله عنه: أنهُ سَمِعَ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفِسْقِ أَوِ الكُفْرِ، إِلاَّ ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلِكَ». رواه البخاري.
1561 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «المُتَسَابَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى البَادِي منهُمَا حَتَّى يَعْتَدِي المَظْلُومُ ». رواه مسلم.
قال ابن عثيمين ﵀:
- إذا قلت لإنسان أنت فاسق، أو يا فاسق، صرت أنت الفاسق؛ إلا إذا كان هو كذلك، وهكذا من كفر أحداً، وقال: أنت كافر أو يا كافر، وليس كذلك صار القائل هو الكافر، وفي هذا دليل على أن هذا من كبائر الذنوب، وفيه التحذير من تكفير المسلمين بغير دليل شرعي.
- المتسابان إذا تسابا وتشاتما بكلام سيئ، فإنّ الإثم على البادي منهما ما قالا، ما لم يعتد المظلوم، فإن اعتدى صار عليه الإثم، وفي هذا دليلٌ على أنّه يجوز للإنسان أن يسب صاحبه، بمثل ما سبه به، ولا يتعدى، والإنسان إذا كان سبباً للشر، فإنه يناله من شره ما قال.
قال ابن باز ﵀:
- إذا سب إنسان إنسانًا، فالإثم على الأول إلا إذا اعتدى المسبوب، والمظلوم صار عليه إثم اعتدائه، أما القصاص فلا بأس.
- المؤمن طيب اللسان، طيب الأعمال، حافظ للسانه، حافظ لجوارحه، هكذا المؤمن إيمانه يمنعه من إطلاق اللسان، ومن التعدي
.
1562 - وعنه، قَالَ: أُتِيَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرَجُلٍ قَدْ شرِبَ قَالَ: «اضربوهُ» قَالَ أَبُو هريرةَ: فَمِنَّا الضارِبُ بيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أخْزَاكَ اللهُ! قَالَ: «لا تَقُولُوا هَذَا، لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَان». رواه البخاري.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الخمر: كل ما أسكر فهو خمر، قال ﷺ: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)، والإسكار: هو تغطية العقل على وجه اللذة والطرب، ليس مجرد تغطية العقل، ولهذا البنج ليس مسكراً، وإن كان يغطي العقل، والمبنج لا يدري ماذا حصل له، لكن الخمر يجد الإنسان من السكر لذة وطرباً ونشوى، حتى يتصور أنّه ملك من الملوك، وأنّه فوق الثريا، وما أشبه ذلك.
- لما كانت النفوس تدعوا إلى الخمر وشربها، جعل لها رادع يردع الناس عن شربها، وهو العقوبة، ولم يقدر لها النبي ﷺ شيئاً، فعقوبة الشارب ليست حداً، لكنها تعزير، وموقفنا من شارب الخمر أن ندعوا له بالهداية، أما أن تدعوا عليه، فإنّك تعين عليه الشيطان، وفي هذا دليلٌ على أنّ الخمر محرم وأنّ عليه عقوبة.
- إذا قل الوازع الديني، يجب أن يقوى الرادع السلطاني، يعني إذا ضعف الأمر من الناحيتين، الوازع الديني، والرادع السلطاني، فسدت الأمة.

1563 - وعنه، قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَى يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ». متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- العبد يملكه الإنسان، والمملوك كالسلعة يباع ويشترى ويوهب، ويرهن ويوقف إلا أن أحكام الله ﷿، هو والحر عل حد سواء، في غير الأمور المالية، فإذا قذف عبده فإنّه لن يحد في الدنيا؛ لأنّه سيد، والعبد مملوك، لكن يقام عليه في دار عذابها أشد والعياذ بالله، وهي الدار الآخرة يقام عليه الحد يوم القيامة، وعلى هذا فيكون قذف المملوك من كبائر الذنوب؛ لأنّه رتب عليه عقوبة في الآخرة، وكل شيء رتب عليه عقوبة في الآخرة، فإنّه يكون من كبائر الذنوب، كما قال أهل العلم رحمهم الله في حد الكبيرة، وأما لو زنى المملوك حقيقة وقذفه سيده بذلك فإنّه لا حد عليه.
قال ابن باز ﵀:
- ينبغي بل الواجب الحذر من ظلم الأرقاء، ومن التعدي عليهم، وأنّ حقهم لا يضيع، إذا فات في الدنيا لم يفت في الآخرة، فالمسلم يكون طيب الخلق مع خادمه، سواء كان مملوكاً أو غير مملوك، يكون طيب الخلق طيب الكلام، لا يتكبر ولا يظلم
.

باب تحريم سب الأموات بغير حق ومصلحةٍ شرعية


وَهِيَ التَّحْذِيرُ مِنَ الاقْتِدَاء بِهِ في بِدْعَتِهِ، وَفِسْقِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفِيهِ الآيةُ والأحاديثُ السَّابِقَةُ في البَابِ قَبْلَهُ.
1564 - وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قَالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإنَّهُمْ قَدْ أفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا». رواه البخاري.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الأموات يعني الأموات من المسلمين، أما الكافر فلا حرمة له إلا إذا كان في سبه إيذاء للأحياء من أقاربه، فلا يسب، وأما إذا لم يكن هناك ضرر، فإنّه لا حرمة له، وهذا هو معنى قول المؤلف رحمه الله: "بغير حق"، لأننا لنا الحق أن نسب الأموات الكافرين الذين آذوا المسلمين، وقاتلوهم، "أو مصلحة شرعية"، مثل أن يكون هذا الميت صاحب بدعة، ينشرها بين الناس فهنا من المصلحة أن نسبه ونحذر منه، ومن طريقته لئلا يغتر الناس به.
- ينبغي للإنسان أن يحفظ لسانه عما لا فائدة منه، فإنّ هذا طريق أهل التقى، فإنّ عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كراماً، وأما الزور فلا يشهدونه إطلاقا ولا يتكلمون إلا بالحق
.

باب النهي عن الإيذاء


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
1565 - وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاصِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الإيذاء يشمل الإيذاء بالقول، والإيذاء بالفعل، والإيذاء بالترك:
• أما الإيذاء بالقول: فأن يسمع أخاه كلاماً يتأذى به، وإن لم يضره، فإن ضره كان أشد إثماً.
• والإيذاء بالفعل: أن يضايقه في مكانه، في جلوسه، في طريقه، وما أشبه ذلك.
• والإيذاء بالترك: أن يترك شيئاً يتأذى منه أخوه، كل هذا محرم، وعليه هذا الوعيد الشديد، تحملوا على أنفسهم البهتان وهو الكذب، والإثم المبين وهو العقوبة العظيمة، أما الإيذاء بحق لا بأس به.
- كل آفات اللسان المتعلقة بالخلق، قد كفها فسلم الناس منه، وسلم المسلمون من يده أيضاً، وليس المراد بذلك أنّه ليس هناك مسلم سواه، ولكن المعنى أن هذا من الإسلام، لكن أحياناً يأتي مثل هذا التعبير من أجل الحث على هذا العمل وإن كان يوجد سواه.
- المهاجر من خرج من بلد الكفر إلى بلد الإسلام ليقيم دينه، لكن تأتي الهجرة بمعنى آخر وهي أن يهجر الإنسان ما نهى الله عنه، فلا يقول قولاً محرماً، ولا يفعل فعلاً محرماً، ولا يترك واجباً، بل يقوم بالواجب، ويدع المحرم، هذا المهاجر؛ لأنّه هجر ما نهى الله عنه.

1566 - وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ». رواه مسلم.
وَهُوَ بعض حديثٍ طويلٍ سبق في بابِ طاعَةِ وُلاَةِ الأمُورِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- (من أحب) هذا الاستفهام للتشويق، وإلا فكل واحد يحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة؛ وبناءً على هذا ينبغي للإنسان أن يكون دائماً على ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، وتذكره؛ لأنّه لا يدري متى يأتيه الموت، فليكن دائماً نصب عينيه، الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإنسان إذا آمن بالله ﷿ وبمقتضى أسمائه وصفاته، وآمن باليوم الآخر، وما فيه من الثواب والعقاب، فلابد أن يستقيم على دين الله، وهذا حق الله ﷿، أعني قوله: وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، أما حق الآدمي فقال: "وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" فلا يؤذيهم؛ لأنّه لا يحب أن يؤذوه، ولا يعتدي عليهم؛ لأنّه لا يحب أن يعتدوا عليه، ولا يشتمهم؛ لأنّه لا يحب أن يشتموه، وهذه قاعدة لو أنّ الناس مشوا عليها في التعامل فيما بينهم، لنالوا خيراً كثيراً ويشبه هذا قول الرسول ﷺ: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه).

باب النهي عن التباغض والتقاطع والتدابر


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، وقال تَعَالَى: ﴿أذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنينَ أعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرينَ﴾ [المائدة: 54]، وقال تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].
1567 - وعن أنس - رضي الله عنه: أنَّ النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَقَاطَعُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ». متفق عَلَيْهِ.
1568 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإثْنَيْنِ ويَوْمَ الخَمْيِسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلاَّ رَجُلًا كَانَتْ بينهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا! أَنْظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصْطَلِحَا!». رواه مسلم.
وفي روايةٍ لَهُ: «تُعْرَضُ الأعْمالُ في كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وإثْنَيْن» وذَكَرَ نَحْوَهُ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- التباغض بالقلوب، والتقاطع بالأفعال والأقوال أيضاً، والتدابر بالأفعال أيضاً، أما التباغض بالقلوب: وبغض المؤمن حرام، لأي شيء تبغضه؟ قد يقول أبغضه؛ لأنّه يعصي الله ﷿ فنقول: وإذا عصى الله؟ لا تبغضه بغضاً مطلقاً، الذي نبغضه بغضاً مطلقاً على كل حال هو الكافر؛ لأنّه ليس فيه خير، أما المؤمن وإن عصى وإن أصر على معصية، يجب أن تحبه على ما معه من الإيمان، وأن تكرهه على ما معه من الفسق والعصيان.
- التباغض نهى عنه الرسول ﷺ حتى لو وقع في قلبك بغض لإنسان، فحاول أن ترفع هذا عن قلبك، وانظر إلى محاسنه حتى تمحوا سيئاته، وهذا من الموازنة بين الحسنات والسيئات، والعدل أن يقارن الإنسان بين هذا وهذا، وأن يميل إلى الصفح والعفو والتجاوز؛ فإن الله تعالى يحب العافين عن الناس، تذكر هذه المحاسن حتى تكون المعاملة السيئة التي يعاملك بها مضمحلة منغمرة، في جانب الحسنات.
- التقاطع: وهو قطع الصلة بينك، وبين أخيك، أخوك المؤمن له حق عليك أن تصله ولا يحل لك أن تقطعه؛ لأنّه أخوك، حتى وإن كان عاصياً.
- التدابر أيضاً لا يحل بين المؤمنين، لكن هل هو التدابر في القلوب أو التدابر في الأبدان أو هذا وهذا؟ إنه هذا وهذا، لا تدابروا في القلوب حتى لو وجدت من أخيك أنّه أدبر عنك بقلبه، فاقرب منه وأقبل عليه، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، لو طبقنا هذه التوجيهات الإلهية والنبوية لحصل لنا خيرٌ كثير.
- إذا كان الله تعالى أوجب الإصلاح بين المتقاتلين، فكذلك أيضا بين المتعادين عداء دون قتل، يجب على الإنسان إذا علم أن بين اثنين عداوةً وبغضاءً وشحناء وتباعداً أن يحاول الإصلاح بينهما، وفي هذه الحال يجوز أن يكذب للمصلحة، حتى يتم الصلح بينهما، والصلح خير.
- وصف المؤمن حقاً أنّه بالنسبة لإخوانه المسلمين ذليل متواضع متهاون ومتسامح، أما على الكافرين فهم أعزة، يعني أنّهم أقوياء أمام الكافر، لا يلينون له ولا يداهنونه ولا يوادنه، كل هذا بالنسبة للكافر، لا يجوز للمؤمن أن يواد الكافر، ولا يجوز له أن يذل له؛ لأنّ الله تعالى جعل له ديناً يعلو على الأديان كلها، بل يجب علينا أن نبغض الكفار، وأن نعتبرهم أعداء لنا.
- من لا يرحم إخوانه المؤمنين، فإنّ ذلك نقص في إيمانه، وربما يحرم الرحمة؛ لأنّ من لا يَرحَم لا يُرحَم.
- لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث، الهجر من التقاطع، يعني يلقاه لا يسلم عليه هذا حرام، إلا أنّ النبي ﷺ رخص لك ثلاثة أيام، لأنّ الإنسان ربما يكون في نفسه شيء لا يعفو على واحد يهجره، له رخصة ثلاثة أيام، بعد الأيام الثلاثة لا يجوز أن يلقاه فلا يسلم عليه، إلا إذا كان على معصية، إذا هجرناه تركها، فنهجره للمصلحة، وهذا كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا وتخلفوا عن غزوة تبوك، وإلا فالأصل أن الهجر حرام.
قال ابن باز ﵀:
- الشحناء من أسباب إيقاف المغفرة عن المتشاحنين، وهذه مصيبة كبيرة، فالواجب على كل مؤمن أن يحرص على المحبة لأخيه والصلح مع أخيه وعدم الشحناء، وإذا كان ولا بد ثلاثة أيام، من أجل حظ النفس لا بأس، ولا يجوز الزيادة على الثلاث من أجل حظ بينك وبينه مضاربة، وإذا هجره من أجل إظهاره المعاصي والبدع فهذا لا حد له بثلاث، ولا بغيرها حده التوبة كما هجر النبي ﷺ كعب بن مالك وصاحبيه خمسين ليلة، حتى تابوا وتاب الله عليهم، لما تخلفوا عن غزوة تبوك، وهذا من باب التعزير، ومن باب التعاون على البر والتقوى، لعله يراجع الحق، لعله يتدبر، لعله ينظر حتى يتوب إلى الله ﷾.

باب تحريم الحسد


وَهُوَ تمني زوالُ النعمة عن صاحبها، سواءٌ كَانَتْ نعمة دينٍ أَوْ دنيا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] وفِيهِ حديثُ أنسٍ السابق في الباب قبلَهُ .
1569 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالحَسَدَ؛ فَإنَّ الحَسَدَ يَأكُلُ الحَسَنَاتِ كَمَا تَأكُلُ النَّارُ الحَطَبَ» أَوْ قَالَ: «العُشْبَ». رواه أَبُو داود.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الحسد: هو أن يكره الإنسان ما أنعم الله به على غيره، من علم أو مال أو أهل أو جاه أو غير ذلك، وهو من كبائر الذنوب، ومن سمات اليهود.
- الحسد فيه اعتراض على قضاء الله وقدره؛ لأنّ الحاسد لم يرض بقضاء الله وقدره، والحسد جمرة في القلب، كلما أنعم الله على عبده نعمة، احترق هذا القلب، وربما يحصل منه بغي وعدوان على من آتاه الله من فضله، وربما يشوه سمعته عند الناس، وهو كاذب أو صادق، فربما يحصل منه هذا العدوان على أخيه المسلم، ثم إن الحسد لا يرد نعمة الله على عبده، فالواجب على الإنسان إذا رأى من نفسه حسداً لأحد، أن يتقي الله وأن يوبخ نفسه.

باب النَّهي عن التجسُّس والتَّسَمُّع لكلام من يكره استماعه


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، وقال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
1570 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ، ولا تحسَّسوا وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ تَنَافَسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هاهُنَا التَّقْوَى هاهُنَا» وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ «بِحَسْبِ امْرِىءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ. إنَّ اللهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعْمَالِكُمْ».
وَفِي رواية: «لاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوانًا».
وفي رواية: «لاَ تَقَاطَعُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوانًا» وَفِي رِواية: «وَلاَ تَهَاجَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ». رواه مسلم بكلّ هذِهِ الروايات، وروى البخاريُّ أكْثَرَهَا.
قال ابن عثيمين ﵀:
- التجسس هو: أن يتتبع الإنسان أخاه، ليطلع على عوراته، سواء كان ذلك عن طريق مباشر، بأن يذهب هو بنفسه يتجسس، لعله يجد عثرة أو عورة، أو كان عن طريق الآلات المستخدمة في حفظ الصوت، أو كان عن طريق الهاتف، فكل شيء يوصل الإنسان إلى عورات أخيه، فإنّ ذلك من التجسس.
- المناجشة: الزيادة في الثمن، بغير إرادة الشراء، إذا كان قصدك العدوان على المشتري، وأن تنكد عليه وتزيد عليه الثمن، فهذا هو النجش وكذلك لو زدت السلعة من أجل نفع البائع، وهو لا يعرف المشتري، وليس بينه وبينه شيء، لكن يريد أن ينتفع البائع، فزاد في الثمن، وهو لا يريد الشراء، هذا أيضاً حرام لا يجوز، وإذا أراد الأمرين، يعني أراد أن ينفع البائع ويضر المشتري، فهذا أيضا حرام وهو من النجش الذي حرمه الرسول ﷺ.
قال ابن باز ﵀:
- وجوب العناية بالإخوة الإيمانية، والاستقامة عليها، والتحاب في الله، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق، والحذر من ضد ذلك.

1571 - وعن معاوية - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إنَّكَ إنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ المُسْلِمينَ أفْسَدْتَهُمْ، أَوْ كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ». حديث صحيح، رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
1572 - وعن ابن مسعود - رضي الله عنه: أنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا فُلاَنٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا، فَقَالَ: إنَّا قَدْ نُهِيْنَا عَنِ التَّجَسُّسِ، ولكِنْ إنْ يَظْهَرْ لَنَا شَيْءٌ، نَأخُذ بِهِ.
حديث حسن صحيح، رواه أَبُو داود بإسنادٍ عَلَى شَرْطِ البخاري ومسلم .
قال ابن عثيمين ﵀:
- الإنسان إذا تتبع عورات المسلمين، أهلكهم أو كاد أن يهلكهم؛ لأنّ كثيراً من الأمور تجري بين الإنسان وبين ربه، لا يعلمها إلا هو، فإذا لم يعلم بها أحد، وبقى عليه ستر الله ﷿، وتاب إلى ربه وأناب حسنت حاله، ولم يطلع على عورته أحد، ولكن إذا كان الإنسان يتتبع عورات الناس، ماذا قال فلان وماذا فعل، وإذا ذكر له عورة مسلم، ذهب يتجسس، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في بيت أمه، جزاء وفاقا، ولا يغنيه جدران ولا ستور، وكذلك حديث ابن مسعود ﵁ أنّه أتى برجل تقطر لحيته خمراً، لكنه شربه مختفياً، ولكن هؤلاء القوم تجسسوا عليه حتى أخرجوه على هذه الحالة، فبين ﵁ أنّ من أبدى لنا عورته أو عيبه أخذناه به، ومن استتر بستر الله فلا نؤاخذه، وهذا أيضاً يدل على أنّه لا يجوز التجسس.
قال ابن باز ﵀:
- التفتيش والتجسس، لالتماس العورات لا يجوز، المسلم لا يلتمس عورة أخيه بل يحب له الستر، فلا ينبغي للمؤمن أن يكون حريصاً على التنقيب على العورات، متى ظهر شيء وقامت فيه البينة، يجب القيام بحق الله.

باب النهي عن سوء الظنّ بالمسلمين من غير ضرورة


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
1573 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ». متفق عَلَيْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الظن المبني على قرائن لا بأس به، فهو من طبيعة الإنسان، أنّه إذا وجد قرائن قوية توجب الظن الحسن أو غير الحسن، فإنّه لابد أن يخضع لهذه القرائن، ولا بأس بذلك، لكن الظن المجرد هو الذي حذر منه النبي ﷺ وقال: (إنّه أكذب الحديث).
قال ابن باز ﵀:
- ما قال كل الظن، قال كثيراً من الظن؛ لأنّ بعض الظن قد يصيب، قد يكون له علامات، شهود يشهدون عليه بالشيء، أو مواقف التهم التي يقفها ويجالس أهلها، توجب سوء الظن به، لكن ما دام مبتعداً عن مجالس السوء، بعيداً عن مواقف التهم، فلا يجوز سوء الظن به، بل يجب حسن الظن به، أما الظن الذي عليه دليل من بينة، فهذا يعتبر.

باب تحريم احتقار المسلمين


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَومٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيْمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 11] وقال تَعَالَى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لمزَةٍ﴾ [الهمزة: 1].
1574 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ». رواه مسلم، وَقَدْ سبق قريبًا بطوله.
1575 - وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ!» فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنةً، فَقَالَ: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ». رواه مسلم.
ومعنى «بَطَرُ الحَقِّ» دَفْعُه، «وغَمْطُهُمْ»: احْتِقَارُهُمْ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ أوْضَحَ مِنْ هَذَا في باب الكِبْرِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- تحريم احتقار المسلم، وحسب هنا بمعنى كافي، يعني يكفي المؤمن من الشر أن يحقر أخاه المسلم، وهذا تعظيم لاحتقار المسلم، وأنّه شر عظيم، لو لم يأت الإنسان من الشر إلا هذا، لكان كافياً، فلا تحقرن أخاك المسلم، لا في خلقته ولا في ثيابه ولا في كلامه، ولا في خلقه، ولا غير ذلك، أخوك المسلم حقه عليك عظيم، فعليك أن تحترمه وأن توقره.
- توجيه الخطاب للمؤمن، يدل على أن ما يتلى عليه فهو من مقتضيات الإيمان، وأن فقده ومخالفته نقص في الإيمان.
- (إن الله جميل يحب الجمال)، جميل بذاته جل وعلا وبأفعاله وبصفاته، وكذلك يحب الجمال، يعني يحب التجمل، وكلما كان الإنسان متجملاً، كان ذلك أحب إلى الله إذا كان هذا التجمل مما يسعه.

1576 - وعن جُندب بن عبدِ الله - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ لاَ يَغْفِرُ اللهُ لِفُلانٍ، فَقَالَ اللهُ - عز وجل: مَنْ ذا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لا أغْفِرَ لِفُلانٍ! فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَاحْبَطْتُ عَمَلَكَ». رواه مسلم.
قال ابن عثيمين ﵀:
- كان هذا الرجل عابداً معجباً بعمله محتقراً لأخيه، الذي رآه مفرطاً، فأقسم أنّ الله لا يغفر له، فقال الله ﷿: (من ذا الذي يتألى على أن لا أغفر لفلان)، يعني من ذا الذي يحلف علي أن لا أغفر لفلان، والفضل بيد الله يأتيه من يشاء، (فإنّي قد غفرت له وأحبطت عملك)، تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، أهلكته، لأنّه قال ذلك معجباً بنفسه، محتقراً لأخيه، والله تعالى كامل السلطان، لا يتألى عليه أحد، ولكن إذا حسن ظن المرء بربه، وتألى على الله في أمر ليس فيه عدوان على الغير، فإن النبي ﷺ قال: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).
قال ابن باز ﵀:
- هذا وعيد يفيد الحذر من الكبر، وهو غمط الناس واحتقارهم، فالواجب الحذر، وكذلك لا يعجب بعمله، ويرى أن عمله فوقهم، هذا أعجب بعمله وظن أنّه يئس من هذا الرجل، فقال هذا الكلام، لا يجوز، ولو وجدته على المعصية، تدعو له ولا تقول: والله لا يغفر الله لك، فلا يجوز التعدي والجرأة على الله ﷿.

باب النهي عن إظهار الشماتة بِالمُسْلِم


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفَاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ [النور: 19].
1577 - وعَن وَائِلَةَ بن الأسقع - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيكَ». رواه الترمذي، وقال: «حديث حسن».
وفي الباب حديث أَبي هريرة السابق في باب التَّجسُّس: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ ... » الحديث.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الشماتة هي: التعيير بالذنب، أو بالعمل، أو حادثة تقع على الإنسان، أو ما أشبه ذلك، فيشيعها الإنسان ويبينها ويظهرها، وهذا محرم.
- الإنسان إذا عير أخاه في شيء، ربما يرحم الله هذا المعيَّر، ويشفى من هذا الشيء ويزول عنه، ثم يبتلى به هذا الذي عيره، وهذا يقع كثيراً، ولهذا جاء في حديث آخر، في صحته نظر، لكنه موافق لهذا الحديث: "من عير أخاه بذنب، لن يمت حتى يعمله"، فإياك وتعيير المسلمين والشماتة فيهم فربما يرتفع عنهم ما شمتهم به، ويحل فيك.
قال ابن باز ﵀:
- لا ينبغي على أي قصد إظهار الشماتة بأخيك، بل يسأل الله له العافية، سواء كانت شماتة بنقص في دينه، أو عيب في خلقه، من عور أو عمى أو غير ذلك، أو نقص في دينه من الفسق والمعاصي، بل ينصحه، ولا يظهر الشماتة به، يدعو له بالستر إن كان مرضاً، يدعو له بالعافية إن كان نقصاً في دينه، يدعو له بالتوفيق والهداية، وهكذا، ولا يشمت به الأعداء، ومن هذا الباب تحريم الغيبة والنميمة والسخرية واللمز كلها من هذا الباب.