كِتابُ الحُدُودِ


باب: حَدُّ الزِّنا


١٤٩١. (خ م) (١٧٠٢) عَنْ أبِي إسْحاقَ الشَّيْبانِيِّ قالَ: سَأَلتُ عَبدَ اللهِ بنَ أبِي أوفى ﵁؛ هَل رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قالَ: نَعَم، قالَ: قُلتُ: بَعدَ ما أُنزِلَت سُورَةُ النُّورِ أم قَبلَها؟ قالَ: لا أدرِي.
-سؤال الشيباني عن وقت الرجم؛ ليتأكد من أن الآية التي نصت على الجلد فقط ليست عامة في كل الزنا، فإن كان الرجم بعدها فقد خص هذا العموم برجم المحصن، وقد قام الدليلُ على أن الرجم وقع بعد نزول سورة النور.
- عبد الله بن أبي أوفى هذا صحابي مصري كبير، من أجلاء علماء مصر، ومع هذا يقول فيما لا يعلمه: لا أدري.
-من آداب طالب العلم قوله فيما لا يعلم: (لا أعلم)، ولا يغرينك الشيطان فيقول لك: إن هذا سيقلل مكانتك عند الناس. (ابن عثيمين).
والعلماء يقولون: " من أخطأ كلمة (لا أدري) فيما لا يعلم فقد أصيبت مقاتله"، أي: فقد قتل نفسه؛ لأنه قال على الله تعالى بغير علم، وهذا حرام.
-الدقة والتحري في نقل الخبر وتبليغه.

(خ م) (١٦٩١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قالَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ ﵁ وهُوَ جالِسٌ عَلى مِنبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: إنَّ اللهَ قَد بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأَنزَلَ عَلَيهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةُ الرَّجمِ، قَرَأناها ووَعَيناها وعَقَلناها، فَرَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ورَجَمنا بَعدَهُ، فَأَخشى إن طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ أن يَقُولَ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجمَ فِي كِتابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَركِ فَرِيضَةٍ أنزَلَها اللهُ، وإنَّ الرَّجمَ فِي كِتابِ اللهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى، إذا أحصَنَ مِن الرِّجال والنِّساءِ، إذا قامَت البَيِّنَةُ، أو كانَ الحَبَلُ، أو الاعتِرافُ.
- قوله: (فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة)؛ قال النووي: هذا الذي خشيه قد وقع من الخوارج ومن وافقهم، وهذا من كرامات عمر رضي الله عنه، ويحتمل أنه علم ذلك من جهة النبي ﷺ.
- إخبار عمر رضي الله عنه برجم النبي ﷺ ورجمهم معه وقراءته آية الرجم، ولا منكر له من علماء الصحابة وجماعتهم - رضى الله عنهم - يدل على موافقتهم له؛ إذ كان مثلهم لا يقر على منكر ولا يسكت عما استشهد به فيه عما يعلم خلافه. (القاضي عياض)
- أجمع العلماء أنّ الرجم لا يكون إلاّ على الزاني المحصن، وأجمعوا على أنّ البينّة: أربعة شهداء ذكور عدول، يشهدون على نفس الزنا، ولا يقبل دون الأربعة، أو الاعتراف بالزنا وهو محصن يصح إقراره بالحد. ( النووي).

١٤٩٢. (م) (١٦٩٠) عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَد جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكرُ بِالبِكرِ جَلدُ مِائَةٍ ونَفيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلدُ مِائَةٍ والرَّجمُ».
- التكرير في قوله: ((خذوا عني)) يدل علي ظهور أمر قد خفي شأنه واهتم بيانه.
- في الحديثِ: بيانُ حدِّ الزَّاني إذا كانَ مُحْصَنًا أو بِكْرً، فقد أجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ جَلْدِ الزَّانِي الْبِكْرِ مِائَةً، وَرَجْمِ الْمُحْصَنِ وَهُوَ الثَّيِّبُ. (النووي).
- قَوْلُهُ ﷺ فِي الْبِكْر:(ونفْيُ سَنَةٍ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ نَفْيُهُ سَنَةً. (النووي).

١٤٩٣. (خ) (٦٨٣٠) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قالَ: كُنتُ أُقرِئُ رِجالًا مِن المُهاجِرِينَ، مِنهُم عَبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوفٍ، فَبَينَما أنا فِي مَنزِلِهِ بِمِنًى، وهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّها، إذ رَجَعَ إلَيَّ عَبدُ الرَّحْمَنِ فَقالَ: لَو رَأَيتَ رَجُلًا أتى أمِيرَ المُؤمِنِينَ اليَومَ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، هَل لَكَ فِي فُلانٍ؟ يَقُولُ: لَو قَد ماتَ عُمَرُ لَقَد بايَعتُ فُلانًا، فَوَ اللهِ ما كانَت بَيعَةُ أبِي بَكرٍ إلا فَلتَةً فَتَمَّت. فَغَضِبَ عُمَرُ، ثُمَّ قالَ: إنِّي إن شاءَ اللهُ لَقائِمٌ العَشِيَّةَ فِي النّاسِ، فَمُحَذِّرُهُم هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أن يَغصِبُوهُم أُمُورَهُم. قالَ عَبدُ الرَّحْمَنِ: فَقلت يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ؛ لا تَفعَل، فَإنَّ المَوسِمَ يَجمَعُ رَعاعَ النّاسِ وغَوغاءَهُم، فَإنَّهُم هُم الَّذِينَ يَغلِبُونَ عَلى قُربِكَ حِينَ تَقُومُ فِي النّاسِ، وأَنا أخشى أن تَقُومَ فَتَقُولَ مَقالَةً يُطَيِّرُها عَنكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وأَن لا يَعُوها، وأَن لا يَضَعُوها عَلى مَواضِعِها، فَأَمهِل حَتّى تَقدَمَ المَدِينَةَ، فَإنَّها دارُ الهِجرَةِ والسُّنَّةِ، فَتَخلُصَ بِأَهلِ الفِقهِ وأَشرافِ النّاسِ، فَتَقُولَ ما قُلتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعِي أهلُ العِلمِ مَقالَتكَ، ويَضَعُونَها عَلى مَواضِعِها، فَقالَ عُمَرُ: أما واللهِ إن شاءَ اللهُ لأَقُومَنَّ بِذَلكَ أوَّلَ مَقامٍ أقُومُهُ بِالمَدِينَةِ. قالَ ابنُ عَبّاسٍ: فَقَدِمنا المَدِينَةَ فِي عُقبِ ذِي الحَجَّةِ، فَلَمّا كانَ يَومُ الجُمُعَةِ عَجَّلتُ الرَّواحَ حِينَ زاغَت الشَّمسُ حَتّى أجِدَ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ جالِسًا إلى رُكنِ المِنبَرِ، فَجَلَستُ حَولَهُ تَمَسُّ رُكبَتِي رُكبَتَهُ، فَلَم أنشَب أن خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، فَلَمّا رَأَيتُهُ مُقبِلًا قلت لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقالَةً لَم يَقُلها مُنذُ استُخلِفَ، فَأَنكَرَ عَلَيَّ، وقالَ: ما عَسَيتَ أن يَقُولَ ما لَم يَقُل قَبلَهُ. فَجَلَسَ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا سَكَتَ المُؤَذِّنُونَ قامَ فَأَثنى عَلى اللهِ بِما هُوَ أهلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعدُ؛ فَإنِّي قائِلٌ لَكُم مَقالَةً قَد قُدِّرَ لِي أن أقُولَها، لا أدرِي لَعَلَّها بَينَ يَدَي أجَلِي، فَمَن عَقَلَها ووَعاها فَليُحَدِّث بِها حَيثُ انتَهَت بِهِ راحِلَتُهُ، ومَن خَشِيَ أن لا يَعقِلَها فَلا أُحِلُّ لأَحَدٍ أن يَكذِبَ عَلَيَّ، إنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأَنزَلَ عَلَيهِ الكِتابَ، فَكانَ مِمّا أنزَلَ اللهُ آيَةُ الرَّجمِ، فَقَرَأناها وعَقَلناها ووَعَيناها، رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ورَجَمنا بَعدَهُ، فَأَخشى إن طالَ بِالنّاسِ زَمانٌ أن يَقُولَ قائِلٌ: واللهِ ما نَجِدُ آيَةَ الرَّجمِ فِي كِتابِ اللهِ. فَيَضِلُّوا بِتَركِ فَرِيضَةٍ أنزَلَها اللهُ، والرَّجمُ فِي كِتابِ اللهِ حَقٌّ عَلى مَن زَنى إذا أُحصِنَ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَت البَيِّنَةُ، أو كانَ الحَبَلُ أو الاعتِرافُ. ثُمَّ إنّا كُنّا نَقرَأُ فِيما نَقرَأُ مِن كِتابِ اللهِ: «أن لا تَرغَبُوا عَن آبائِكُم، فَإنَّهُ كُفرٌ بِكُم أن تَرغَبُوا عَن آبائِكُم، أو إنَّ كُفرًا بِكُم أن تَرغَبُوا عَن آبائِكُم». ألا ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُطرُونِي كَما أُطرِيَ عِيسى ابنُ مَريَمَ، وقُولُوا عَبدُ اللهِ ورَسُولُهُ». ثُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ قائِلًا مِنكُم يَقُولُ: واللهِ لَو قَد ماتَ عُمَرُ بايَعتُ فُلانًا. فَلا يَغتَرَّنَّ امرُؤٌ أن يَقُولَ إنَّما كانَت بَيعَةُ أبِي بَكرٍ فَلتَةً وتَمَّت، ألا وإنَّها قَد كانَت كَذَلكَ، ولَكِنَّ اللهَ وقى شَرَّها، ولَيسَ مِنكُم مَن تُقطَعُ الأَعناق إلَيهِ مِثلُ أبِي بَكرٍ، مَن بايَعَ رَجُلًا عَن غَيرِ مَشُورَةٍ مِن المُسلِمِينَ فَلا يُبايَعُ هُوَ ولا الَّذِي بايَعَهُ، تَغِرَّةً أن يُقتَلا، وإنَّهُ قَد كانَ مِن خَبَرِنا حِينَ تَوَفّى اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ؛ أنَّ الأَنصارَ خالَفُونا واجتَمَعُوا بِأَسرِهِم فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ، وخالَفَ عَنّا عَلِيٌّ والزُّبَيرُ ومَن مَعَهُما، واجتَمَعَ المُهاجِرُونَ إلى أبِي بَكرٍ، فَقلت لأَبِي بَكرٍ: يا أبا بَكرٍ؛ انطَلِق بِنا إلى إخوانِنا هَؤُلاءِ مِن الأَنصارِ، فانطَلَقنا نُرِيدُهُم، فَلَمّا دَنَونا مِنهُم لَقِيَنا مِنهُم رَجُلانِ صالِحانِ فَذَكَرا ما تَمالأَ عَلَيهِ القَومُ، فَقالا: أينَ تُرِيدُونَ يا مَعشَرَ المُهاجِرِينَ؟ فَقُلنا: نُرِيدُ إخوانَنا هَؤُلاءِ مِن الأَنصارِ، فَقالا: لا عَلَيكُم أن لا تَقرَبُوهُم، اقضُوا أمرَكُم. فَقلت: واللهِ لَنَأتِيَنَّهُم، فانطَلَقنا حَتّى أتَيناهُم فِي سَقِيفَةِ بَنِي ساعِدَةَ، فَإذا رَجُلٌ مُزَمَّلٌ بَينَ ظَهرانَيهِم، فَقُلتُ: مَن هَذا؟ فَقالُوا: هَذا سَعدُ بنُ عُبادَةَ. فَقلت: ما لَهُ؟ قالُوا: يُوعَكُ. فَلَمّا جَلَسنا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُم فَأَثنى عَلى اللهِ بِما هُوَ أهلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعدُ؛ فَنَحنُ أنصارُ اللهِ، وكَتِيبَةُ الإسلامِ، وأَنتُم مَعشَرَ المُهاجِرِينَ رَهطٌ، وقَد دَفَّت دافَّةٌ مِن قَومِكُم، فَإذا هُم يُرِيدُونَ أن يَختَزِلُونا مِن أصلِنا، وأَن يَحضُنُونا مِن الأَمرِ. فَلَمّا سَكَتَ أرَدتُ أن أتَكَلَّمَ، وكُنتُ قَد زَوَّرتُ مَقالَةً أعجَبَتنِي، أُرِيدُ أن أُقَدِّمها بَينَ يَدَي أبِي بَكرٍ، وكُنتُ أُدارِي مِنهُ بَعضَ الحَدِّ، فَلَمّا أرَدتُ أن أتَكَلَّمَ قالَ أبُو بَكرٍ: عَلى رِسلِكَ. فَكَرِهتُ أن أُغضِبَهُ، فَتَكَلَّمَ أبُو بَكرٍ، فَكانَ هُوَ أحلَمَ مِنِّي وأَوقَرَ واللهِ، ما تَرَكَ مِن كَلِمَةٍ أعجَبَتنِي فِي تَزوِيرِي إلا قالَ فِي بَدِيهَتِهِ مِثلَها أو أفضَلَ مِنها حَتّى سَكَتَ، فَقالَ: ما ذَكَرتُم فِيكُم مِن خَيرٍ فَأَنتُم لَهُ أهلٌ، ولَن يُعرَفَ هَذا الأَمرُ إلا لِهَذا الحَيِّ مِن قُرَيشٍ، هُم أوسَطُ العَرَبِ نَسَبًا ودارًا، وقَد رَضِيتُ لَكُم أحَدَ هَذَينِ الرَّجُلَينِ، فَبايِعُوا أيَّهُما شِئتُم. فَأَخَذَ بِيَدِي وبِيَدِ أبِي عُبَيدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، وهُوَ جالِسٌ بَينَنا، فَلَم أكرَه مِمّا قالَ غَيرَها، كانَ واللهِ أن أُقَدَّمَ فَتُضرَبَ عُنُقِي لا يُقَرِّبُنِي ذَلكَ مِن إثمٍ أحَبَّ إلَيَّ مِن أن أتَأَمَّرَ عَلى قَومٍ فِيهِم أبُو بَكرٍ، اللَّهُمَّ إلا أن تُسَوِّلَ إلَيَّ نَفسِي عِنْدَ المَوتِ شَيئًا لا أجِدُهُ الآنَ، فَقالَ قائِلٌ مِن الأَنصارِ: أنا جُذَيلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيقُها المُرَجَّب، مِنّا أمِيرٌ ومِنكُم أمِيرٌ يا مَعشَرَ قُرَيشٍ. فَكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتَفَعَت الأَصواتُ حَتّى فَرِقتُ مِن الاختِلافِ، فَقلت: ابسُط يَدَكَ يا أبا بَكرٍ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبايَعتُهُ، وبايَعَهُ المُهاجِرُونَ، ثُمَّ بايَعَتهُ الأَنصارُ، ونَزَونا عَلى سَعدِ بْنِ عُبادَةَ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُم: قَتَلتُم سَعدَ بنَ عُبادَةَ. فَقلت: قَتَلَ اللهُ سَعدَ بنَ عُبادَةَ، قالَ عُمَرُ: وإنّا واللهِ ما وجَدنا فِيما حَضَرنا مِن أمرٍ أقوى مِن مُبايَعَةِ أبِي بَكرٍ، خَشِينا إن فارَقنا القَومَ ولَم تَكُن بَيعَةٌ أن يُبايِعُوا رَجُلًا مِنهُم بَعدَنا، فَإمّا بايَعناهُم عَلى ما لا نَرضى، وإمّا نُخالِفُهُم فَيَكُونُ فَسادٌ، فَمَن بايَعَ رَجُلًا عَلى غَيرِ مَشُورَةٍ مِن المُسلِمِينَ فَلا يُتابَعُ هُوَ ولا الَّذِي بايَعَهُ، تَغِرَّةً أن يُقتَلا. وفي رواية: فَإنَّها دارُ الهِجرَةِ والسَّلامَةِ، وتَخلُصَ لأَهلِ الفِقهِ وأَشرافِ النّاسِ وذَوِي رَأيِهِم ...
- أنَّ العِلْمَ يُصانُ عن غَيرِ أَهْلِه، ولا يُحدَّث مِنه النَّاسُ إلَّا بما يُرجى ضَبْطُهم له.
- أن يَرُدَّ على الإمامِ بَعضُ أَصحابِه إذا لاحَ الأَصوَبُ والأَوْلى.
- رُجوعُ الإمامِ إلى الصَّوابِ، وتَركُ ما كانَ مِن قَوْلِه هو لِقَولِ النَّاصِحِ مِن مَأموميه.
- أنَّ الدَّقيقَ مِن الأحكامِ يَنْبَغي أن يُتَوَخَّى بِنَشرِه خَواصُّ النَّاسِ ووُجوهُهم وأَشرافُهم، مِمَّن تَقَدَّمَت مِنه الدَّرَجةُ، فيَضَع كُلَّ شَيءٍ مِنه على مَوضِعِه.

١٤٩٤. (خ) (٦٨١٢) عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ يُحَدِّثُ عَن عَلِيٍّ ﵁ حِينَ رَجَمَ المَرأَةَ يَومَ الجُمُعَةِ، وقالَ: قَد رَجَمتُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

باب: إقامَةُ الحَدِّ عَلى مَنِ اعْتَرَفَ عَلى نَفْسِهِ بِالزَّنا


١٤٩٥. (خ م) (١٦٩٧) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄ أنَّهُما قالا: إنَّ رَجُلًا مِن الأعرابِ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ أنشُدُكَ اللهَ إلا قَضَيتَ لِي بِكِتابِ اللهِ. فَقالَ الخَصمُ الآخَرُ وهُوَ أفقَهُ مِنهُ: نَعَم فاقضِ بَينَنا بِكِتابِ اللهِ، وأذَن لِي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُل». قالَ: إنَّ ابنِي كانَ عَسِيفًا عَلى هَذا، فَزَنى بِامرَأَتِهِ، وإنِّي أُخبِرتُ أنَّ عَلى ابنِي الرَّجمَ، فافتَدَيتُ مِنهُ بِمِائَةِ شاةٍ ووَلِيدَةٍ، فَسَأَلتُ أهلَ العِلمِ، فَأَخبَرُونِي أنَّما عَلى ابنِي جَلدُ مِائَةٍ وتَغرِيبُ عامٍ، وأَنَّ عَلى امرَأَةِ هَذا الرَّجمَ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لأقضِيَنَّ بَينَكُما بِكِتابِ اللهِ، الوَلِيدَةُ والغَنَمُ رَدٌّ، وعَلى ابنِكَ جَلدُ مِائَةٍ وتَغرِيبُ عامٍ، واغدُ يا أُنَيسُ إلى امرَأَةِ هَذا، فَإن اعتَرَفَت فارجُمها». قالَ: فَغَدا عَلَيها، فاعتَرَفَت، فَأَمَرَ بِها رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِمَت. وفي رواية (خ): «فاغدُ عَلى امرَأَةِ هَذا فاسأَلها». ورَوى (خ) عَن زَيْدِ بْنِ خالدٍ الجُهَنِيِّ قالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأمُرُ فِيمَن زَنى ولَم يُحصَن؛ جَلدَ مائةٍ وتَغرِيبَ عامٍ. قالَ ابنُ شِهابٍ: وأَخبَرَنِي عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ؛ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطّابِ غَرَّبَ، ثُمَّ لَم تَزَل تِلكَ السُّنَّةَ.
-التمسك بالكتاب والسنة والرجوع لهما في شتى شؤون الحياة ففيهما النجاة والفلاح قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.
-يؤخذ من قوله: (وهو أفقه منه)، (فسألت أهل العلم): التواضع وقبول الحق، والبعد عن المكابرة وسؤال الأعلم مع وجود من يعلم.
-الأدب في الاستفتاء (واذن لي).
-الحرص على سؤال أهل العلم في المسائل التي تشكل على المرء.
- بيان أن من اعترف بالزنا يقام عليه الحد.
- بيان صون النساء عن مجلس الحكم، حيث أنه أمر أنيسا رضي الله عنه أن يغدو إلى المرأة، ويسألها، فإن اعترفت رجمها، ولم يلزمها حضور مجلس الحكم.
- فيه دليل للقائلين بعدم الجمع بين الجلد والتغريب.
- قوله: (أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله) قال النووي: فيه أنه يستحب للقاضي أن يصبر على من يقول من جفاة الخصوم: (احكم بالحق بيننا) ونحو ذلك.
-فيه دليل على جفاء بعض الأعراب لبعدهم عن مواطن العلم والأدب، حيث ناشد الأعرابي النبي ﷺ ألا يحكم له إلا بكتاب الله تعالى.
-فيه حسن خلقه ﷺ حيث لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يعنفه على سوء أدبه.
- قوله: (فسألت أهل العلم): فيه جواز استفتاء غير النبي ﷺ في زمنه؛ لأنه ﷺ لم ينكر ذلك عليه، وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود أفضل منه. ( النووي )
-جواز القسم على الأمر من غير استحلاف، لتأكيده. (فتح المنعم)
-قوله: (الوليدة والغنم رد) أي مردودة، ومعناه يجب ردها إليك، وفي هذا أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل يجب رده، وأن الحدود لا تقبل الفداء. ( النووي )
-فيه دليل على جواز الوكالة في إقامة الحدود لقول: (واغد يا أنيس...).

١٤٩٦. (خ م) (١٦٩١) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: أتى رَجُلٌ مِن المُسلِمِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وهُوَ فِي المَسْجِدِ، فَناداهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي زَنَيتُ. فَأَعرَضَ عَنهُ، فَتَنَحّى تِلقاءَ وجهِهِ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللهِ؛ إنِّي زَنَيتُ. فَأَعرَضَ عَنهُ، حَتّى ثَنى ذَلكَ عَلَيهِ أربَعَ مَرّاتٍ، فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفسِهِ أربَعَ شَهاداتٍ دَعاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقالَ: «أبِكَ جُنُونٌ؟» قالَ: لا. قالَ: «فَهَل أحصَنتَ؟» قالَ: نَعَم. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اذهَبُوا بِهِ فارجُمُوهُ. قالَ ابنُ شِهابٍ: فَأَخبَرَنِي مَن سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: فَكُنتُ فِيمَن رَجَمَهُ، فَرَجَمناهُ بِالمُصَلّى، فَلَمّا أذلَقَتهُ الحِجارَةُ هَرَبَ، فَأَدرَكناهُ بِالحَرَّةِ فَرَجَمناهُ. ورَوى (خ) عَنِ الزُّهرِيِّ عَن أبِي سَلَمَةَ عَن جابِرٍ نَحوَهُ، وفِي آخِرِهِ: فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ بِالمُصَلّى، فَلَمّا أذْلَقَتْهُ الحِجارةُ فَرَّ، فأُدْرِك فرُجِمَ حَتّى ماتَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خَيرًا، وصَلّى عَلَيهِ. سُئِلَ أبُو عَبدِ اللهِ: هَل قَولُهُ: فَصَلّى عَلَيهِ؛ يَصِحُّ أم لا؟ قالَ: رَواهُ مَعمَرٌ. قِيلَ لَهُ: رَواهُ غَيرُ مَعمَرٍ؟ قالَ: لا.
ورَوى (م) عَن ابْنِ عَبّاسٍ ﵄؛ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِماعِزِ بْنِ مالِكٍ: «أحَقٌّ ما بَلَغَنِي عَنكَ؟» قالَ: وما بَلَغَكَ عَنِّي؟ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّكَ وقَعتَ بِجارِيَةِ آلِ فُلانٍ». قالَ: نَعَم. قالَ: فَشَهِدَ أربَعَ شَهاداتٍ، ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَرُجِمَ.
لَفظُ (خ) عَنهُ: لَمّا أتى ماعِزُ بْنُ مالِكٍ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلتَ أو غَمَزتَ أو نَظَرْتَ؟» قالَ: لا يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: «أنِكْتَها؟»، لا يَكْنِي. قالَ: فَعِندَ ذَلكَ أمَرَ بِرَجمِهِ.
-صراحة الصحابة رضي الله عنهم حيث جاء هذا الرجل يكلم النبي ﷺ في المسجد بصوت عال والناس حاضرون.(ابن عثيمين).
-بيان جواز الاعتراف بالزنا، وأنه يقام عليه الحد بذلك.
-جواز التصريح بما فعل العبد إذا دعت الحاجة إليه لقوله: "إني زنيت".
-أن الإنسان مؤتمن على نفسه في بيان حالها لقوله: "أبك جنون؟ " فقال: لا. (ابن عثيمين)
- قوله: (أبك جنون؟) إما قاله ليتحقق حاله، فإن الغالب أن الإنسان لا يصر على الإقرار بما يقتضي قتله من غير سؤال، مع أن له طريقا إلى سقوط إثمه بالتوبة. وفي الرواية الأخرى: (أنه سأل قومه عنه، فقالوا: ما نعلم به بأساً) وهذا مبالغة في تحقيق حاله، وإرادة الستر عليه، وفي صيانة دم المسلم.
- وفيه إشارة إلى أن إقرار المجنون باطل، وأن الحدود لا تجب عليه، وهذا كله مجمع عليه. ( النووي)
-فيه دليل على أن الزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، وقد اختلف العلماء هل يكفي الإقرار مرة واحدة كما دل عليه حديث الغامدية والعسيف، أم لابد من التكرار كما دل عليه هذا الحديث.
-فيه دليل على أنه يجب على القاضي والمفتي أن يستفصل عما يجب عليه الاستفصال عنه مما يغير حكم المسألة؛ لقوله: (أبك جنون).
-فيه دليل على أن المحصن لا يجلد قبل الرجم؛ لأنه لم يذكر الجلد مع تعدد رواة قصة ماعز وكثرة ألفاظها.
-فيه منقبة عظيمة لماعز رضي الله عنه؛ إذ جاء بنفسه تائباً طالباً التطهير مع الإعراض عنه وتلقينه ما يسقط الحد.
- فيه أن وجود مثل هذه الحالات النادرة في ذلك المجتمع النبوي الأول فيه حكمة ورحمة لمن يأتي بعدهم؛ بأن يُدرك أنه لا يخلو في هذه الأمة مجتمع إلا ويوجد فيه من يقترف هذه المعاصي الكبيرة مهما كان هذا المجتمع طاهراً، بل هو أفضل المجتمعات وأخيرها، وفي هذا رحمة بأن يبصر العبد رحمة الله ماعزا، وكيف صدق بتوبته فتاب الله عليه، وفيه حكمة بأن لا ييأس قلب المسلم من مجتمعه مهما بلغ حالهم. والله أعلم
- أن الحد كفارة للمعصية التي أقيم الحد لها، وأن إثم المعاصي يسقط بالتوبة النصوح.
-جواز تلقين المقر الرجوع عن إقراره واعتذاره بشبهة يتعلق بها لقوله: (لعلك قبلت..).

١٤٩٧. (م) (١٦٩٤) عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁؛ أنَّ رَجُلًا مِن أسلَمَ يُقالُ لَهُ ماعِزُ بنُ مالِكٍ أتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أصَبتُ فاحِشَةً فَأَقِمهُ عَلَيَّ. فَرَدَّهُ النبيُّ ﷺ مِرارًا، قالَ: ثُمَّ سَأَلَ قَومَهُ، فَقالُوا: ما نَعلَمُ بِهِ بَأسًا إلا أنَّهُ أصابَ شَيئًا يَرى أنَّهُ لا يُخرِجُه مِنهُ إلا أن يُقامَ فِيهِ الحَدُّ. قالَ: فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَمَرَنا أن نَرجُمَهُ. قالَ: فانطَلَقنا بِهِ إلى بَقِيعِ الغَرقَدِ، قالَ: فَما أوثَقناهُ، ولا حَفَرنا لَهُ، قالَ فَرَمَيناهُ بِالعَظَمِ والمَدَرِ والخَزَفِ، قالَ: فاشتَدَّ واشتَدَدنا خَلفَهُ حَتّى أتى عُرضَ الحَرَّةِ، فانتَصَبَ لَنا فَرَمَيناهُ بِجَلامِيدِ الحَرَّةِ، يَعنِي الحِجارَةَ حَتّى سَكَتَ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَطِيبًا مِنَ العَشِيِّ فَقالَ: «أوَ كُلَّما انطَلَقنا غُزاةً فِي سَبِيلِ اللهِ تَخَلَّفَ رَجُلٌ فِي عِيالِنا لَهُ نَبِيبٌ كَنَبِيبِ التَّيسِ، عَلَيَّ أن لا أُوتى بِرَجُلٍ فَعَلَ ذَلكَ إلا نَكَّلتُ بِهِ». قالَ: فَما استَغفَرَ لَهُ ولا سَبَّهُ.
ورَوى (م) عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قال: رَأَيْتُ ماعِزَ بْنَ مالِكٍ حِينَ جِيءَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ قَصِيرٌ أعْضَلُ لَيْسَ لَهُ رِداءٌ، فَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ.
١٤٩٨. (م) (١٦٩٥) عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ ﵁ قالَ: جاءَ ماعِزُ بنُ مالِكٍ ﵁ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ طَهِّرنِي. فَقالَ: «ويحَكَ؛ ارجِع فاستَغفِرِ اللهَ وتُب إلَيهِ». قالَ: فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ طَهِّرنِي. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ويحَكَ؛ ارجِع فاستَغفِرِ اللهَ وتُب إلَيهِ». فَرَجَعَ غَيرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ؛ طَهِّرنِي. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ مِثلَ ذَلكَ، حَتّى إذا كانَتِ الرّابِعَةُ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقالَ: مِنَ الزِّنى. فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أبِهِ جُنُونٌ؟» فَأُخبِرَ أنَّهُ لَيسَ بِمَجنُونٍ، فَقالَ: «أشَرِبَ خَمرًا؟» فَقامَ رَجُلٌ فاستَنكَهَهُ فَلَم يَجِد مِنهُ رِيحَ خَمرٍ، قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أزَنَيتَ؟» فَقالَ: نَعَم. فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكانَ النّاسُ فِيهِ فِرقَتَينِ: قائِلٌ يَقُولُ: لَقَد هَلَكَ، لَقَد أحاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ. وقائِلٌ يَقُولُ: ما تَوبَةٌ أفضَلَ مِن تَوبَةِ ماعِزٍ، أنَّهُ جاءَ إلى النبيِّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ قالَ: اقتُلنِي بِالحِجارَةِ. قالَ: فَلَبِثُوا بِذَلكَ يَومَينِ أو ثَلاثَةً، ثُمَّ جاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهُم جُلُوسٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقالَ: «استَغفِرُوا لِماعِزِ بْنِ مالِكٍ». قالَ: فَقالُوا: غَفَرَ اللهُ لِماعِزِ بْنِ مالِكٍ. قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَقَد تابَ تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتهُم». قالَ: ثُمَّ جاءَتهُ امرَأَةٌ مِن غامِدٍ مِنَ الأَزدِ فَقالَت: يا رَسُولَ اللهِ؛ طَهِّرنِي. فَقالَ: «ويحَكِ؛ ارجِعِي فاستَغفِرِي اللهَ وتُوبِي إلَيهِ». فَقالَت: أراكَ تُرِيدُ أن تُرَدِّدَنِي كَما رَدَّدتَ ماعِزَ بنَ مالِكٍ. قالَ: «وما ذاكِ؟» قالَت: إنَّها حُبلى مِنَ الزِّنى. فَقالَ: «آنتِ؟» قالَت: نَعَم. فَقالَ لَها: «حَتّى تَضَعِي ما فِي بَطنِكِ». قالَ: فَكَفَلَها رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ حَتّى وضَعَت، قالَ: فَأَتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: قَد وضَعَتِ الغامِدِيَّةُ. فَقالَ: «إذًا لا نَرجُمُها ونَدَعُ ولَدَها صَغِيرًا لَيسَ لَهُ مَن يُرضِعُهُ». فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنصارِ فَقالَ: إلَيَّ رَضاعُهُ يا نَبِيَّ اللهِ. قالَ: فَرَجَمَها. وفي رواية: فَلَمّا ولَدَت أتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرقَةٍ، فَقالَت: هَذا قَد ولَدتُهُ. قالَ: «اذهَبِي فَأَرضِعِيهِ حَتّى تَفطِمِيهِ». فَلَمّا فَطَمَتهُ أتَتهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسرَةُ خُبزٍ، فَقالَت: هَذا يا نَبِيَّ اللهِ قَد فَطَمتُهُ، وقَد أكَلَ الطَّعامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى رَجُلٍ مِنَ المُسلِمِينَ، ثُمَّ أمَرَ بِها فَحُفِرَ لَها إلى صَدرِها، وأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوها، فَيُقبِلُ خالِدُ بنُ الوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمى رَأسَها فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلى وجهِ خالِدٍ فَسَبَّها، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ سَبَّهُ إيّاها، فَقالَ: «مَهلًا يا خالِدُ؛ فَوَ الَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَقَد تابَت تَوبَةً لَو تابَها صاحِبُ مَكسٍ لَغُفِرَ لَهُ». ثُمَّ أمَرَ بِها فَصَلّى عَلَيها ودُفِنَت.
١٤٩٩. (م) (١٦٩٦) عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁؛ أنَّ امرَأَةً مِن جُهَينَةَ أتَت نَبِيَّ اللهِ ﷺ وهِيَ حُبلى مِنَ الزِّنى، فَقالَت: يا نَبِيَّ اللهِ؛ أصَبتُ حَدًّا فَأَقِمهُ عَلَيَّ. فَدَعا نَبِيُّ اللهِ ﷺ ولِيَّها فَقالَ: «أحسِن إلَيها، فَإذا وضَعَت فَأتِنِي بِها». فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِها نَبِيُّ اللهِ ﷺ فَشُكَّت عَلَيها ثِيابُها، ثُمَّ أمَرَ بِها فَرُجِمَت، ثُمَّ صَلّى عَلَيها، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيها يا نَبِيَّ اللهِ وقَد زَنَت؟ فَقالَ: «لَقَد تابَت تَوبَةً لَو قُسِمَت بَينَ سَبعِينَ مِن أهلِ المَدِينَةِ لَوَسِعَتهُم، وهَل وجَدتَ تَوبَةً أفضَلَ مِن أن جادَت بِنَفسِها للهِ تعالى؟»
- أن مصلى الجنائز والأعياد إذا لم يكن قد وقف مسجدًا، لا يثبت له حكم المسجد. (ابن العطار)
- عدم الحفر للمرجوم؛ حيث إنه هرب لما أذلقته الحجارة، ولو كان له حفيرة، لم يتمكن من الهرب.(ابن العطار)
-فيه منقبة لماعز والغامدية رضي الله عنهما فقد تابا توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم.
-إقامة الحدود يحصل بها النجاة لمن أقامها وأقيمت عليه، وإلا هلك العاصي بالمعصية والساكت بالرضا بها.(ابن حجر)
-إن المصلحة في الحدود ليست الازدجار فقط، بل أمر آخر وهو كونها كفارة؛ لأن الحدود كفارات لأهلها وإن كانت أيضاً زجراً عن إيقاع المفاسد (الشاطبي)
-قوله: (فما استغفر له رسول الله ﷺ ولا سبه): أما عدم السب له فلأن الحد كفارة له مطهرة له من معصيته، وأما عدم الاستغفار فلئلا يغتر به غيره فيقع في الزنا اتكالًا على استغفاره ﷺ.(الكوكب الوهاج)
- قوله ﷺ لولي الغامدية: (أحسن إليها فإذا وضعت فائتني بها) هذا الإحسان له سببان:
أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيراً لهم من ذلك.
والثاني: أمر به رحمة لها إذ قد تابت، وحرض على الإحسان إليها لما في نفوس الناس من النفرة من مثلها، وإسماعها الكلام المؤذي ونحو ذلك فنهى عن هذا كله. (النووي)
- تقبل الإسلام للمخطئ الذي اعترف بخطئه أعظم بيان أن هذا الدين دين الرحمة، وأن جوهر هذا الدين هو الأخلاق.
- "اكرهوا المعصية، وارحموا العاصي" د. خالد الدريس
- قوله: (فأمر بها فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت) وفي هذا استحباب جمع أثوابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها، واتفق العلماء على أنه لا ترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يرجم قائما. (النووي)
-يؤخذ من طلب الرجوع والتوبة والاستغفار أنه يستحب لمن وقع له مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى، ويستر نفسه، ولا يذكر ذلك لأحد، كما يستحب لمن اطلع على ذلك أن يستر عليه، ولا يفضحه، ولا يرفعه إلى الإمام، إلا إذا كان مجاهراً بالمعصية. (موسى لاشين )
-يؤخذ من قوله ﷺ "حتى تضعي ما في بطنك" أنه لا ترجم الحبلى حتى تضع، سواء كان حملها من زنا أو غيره، وهذا مجمع عليه، لئلا يقتل جنينها.
-فيه دليل لمن ذهب إلى الصلاة على المرجوم.

باب: رَجْمُ أهْلِ الذِّمَّةِ فِـي الزِّنا


١٥٠٠. (خ م) (١٦٩٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ ويَهُودِيَّةٍ قَد زَنَيا، فانطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى جاءَ يَهُودَ، فَقالَ: «ما تَجِدُونَ فِي التَّوراةِ عَلى مَن زَنى؟» قالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهما، ونُحَمِّلُهُما، ونُخالِفُ بَينَ وُجُوهِهِما، ويُطافُ بِهِما. قالَ: «فَأتُوا بِالتَّوراةِ إن كُنتُم صادِقِينَ». فَجاؤُوا بِها فَقَرَؤوها، حَتّى إذا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجمِ وضَعَ الفَتى الَّذِي يَقرَأُ يَدَهُ عَلى آيَةِ الرَّجمِ، وقَرَأَ ما بَينَ يَدَيها وما وراءَها، فَقالَ لَهُ عَبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ وهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: مُرهُ فَليَرفَع يَدَهُ. فَرَفَعَها، فَإذا تَحتَها آيَةُ الرَّجمِ، فَأَمَرَ بِهِما رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُجِما، قالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ: كُنتُ فِيمَن رَجَمَهُما، فَلَقَد رَأَيتُهُ يَقِيها مِن الحِجارَةِ بِنَفسِهِ. وفي رواية (خ): فَقالَ يا مُحَمَّدُ؛ إنَّ عَلَيهِما الرَّجمَ، ولَكِنّا نُكاتِمُهُ بَينَنا. وفي رواية (خ): نَفضَحُهُم ويُجلَدُونَ. وفي رواية (خ): قالُوا: إنَّ أحبارَنا أحدَثُوا تَحمِيمَ الوَجهِ والتَّجبِيَةَ.
- قوله ﷺ: (ما تجدون في التوراة؟)؛ قال النووي: قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، إنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم، ولعله ﷺ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء، فلم يخف ذلك عليه حين كتموه. ( النووي)
- بيان وجوب الحد على الكافر الذمي إذا زنى، وهو قول الجمهور.
-فيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض. (موسى لاشين)
-فيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها، ويخفون بعض ما فيها.(موسى لاشين)

١٥٠١. (م) (١٧٠٠) عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ ﵄ قالَ: مُرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمًا مَجلُودًا، فَدَعاهُم ﷺ فَقالَ: «هَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي فِي كِتابِكُم؟» قالُوا: نَعَم. فَدَعا رَجُلًا مِن عُلَمائِهِم فَقالَ: «أنشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أنزَلَ التَّوراةَ عَلى مُوسى؛ أهَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي فِي كِتابِكُم؟» قالَ: لا، ولَولا أنَّكَ نَشَدتَنِي بِهَذا لَم أُخبِركَ، نَجِدُهُ الرَّجمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أشرافِنا، فَكُنّا إذا أخَذنا الشَّرِيفَ تَرَكناهُ، وإذا أخَذنا الضَّعِيفَ أقَمنا عَلَيهِ الحَدَّ، قُلنا: تَعالَوا فَلنَجتَمِع عَلى شَيءٍ نُقِيمُهُ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فَجَعَلنا التَّحمِيمَ والجَلدَ مَكانَ الرَّجمِ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحيا أمرَكَ إذ أماتُوهُ». فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأَنزَلَ اللهُ ﷿: ﴿ياأَيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الكُفْرِ﴾ إلى قَولِهِ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]، يَقُولُ: ائتُوا مُحَمَّدًا ﷺ؛ فَإن أمَرَكُم بِالتَّحمِيمِ والجَلدِ فَخُذُوهُ، وإن أفتاكُم بِالرَّجمِ فاحذَرُوا، فَأَنزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومَن لَّمْ يَحْكُم بِما أنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فِي الكُفّارِ كُلُّها.

باب: فِـي الأَمَةِ إذا زَنَتْ وتَأْخِيرِ الجَلْدِ عَنِ النُّفَساءِ


١٥٠٢. (خ م) (١٧٠٣) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ ﵄؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ إذا زَنَت ولَم تُحصن، قالَ: «إن زَنَت فاجلِدُوها، ثُمَّ إن زَنَت فاجلِدُوها، ثُمَّ إن زَنَت فاجلِدُوها، ثُمَّ بِيعُوها ولَو بِضَفِيرٍ». قالَ ابنُ شِهابٍ: لا أدرِي أبَعدَ الثّالِثَةِ أو الرّابِعَةِ. زاد (م) في رواية: قال ابن شهاب: والضَّفِيرُ الحبلُ.
- فيه أن حد الجارية الأمة، وكذا العبد الجلد، سواء كانا محصنين بالتزويج أم لا، وحدهما نصف حد الحر. (موسى لاشين)
- استدل على أن السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد، أما الجارية فبالنص، وأما العبد فبالإلحاق.(موسى لاشين)
-أن الزاني إذا حد، ثم زنى ثانيًا يلزمه حد آخر فإن زنى ثالثة لزمه حد آخر، فإن حد، ثم زنى لزمه حد آخر، وهكذا أبدًا، فأما إذا زنى مرات، ولم يحد لواحدة منهن، فيكفيه حد واحد للجميع.(موسى لاشين)
- أخذ من الحديث بعضهم أن يلزم السيد عند بيع الأمة أن يبين حالها للمشتري، لأنه عيب، والإخبار بالعيب واجب.(موسى لاشين)
- أن النفساء والمريضة ونحوهما يؤخر جلدهما إلى البرء.(موسى لاشين)

١٥٠٣. (م) (١٧٠٥) عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ ﵁ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ مَن أحصَنَ مِنهُم ومَن لَم يُحصِن، فَإنَّ أمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زَنَت فَأَمَرَنِي أن أجلِدَها، فَإذا هِيَ حَدِيثُ عَهدٍ بِنِفاسٍ، فَخَشِيتُ إن أنا جَلَدتُها أن أقتُلَها، فَذَكَرتُ ذَلكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «أحسَنتَ».

باب: ما يَجِبُ فِيهِ القَطْعُ


١٥٠٤. (خ م) (١٦٨٤) عَنْ عائِشَةَ ﵂، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قالَ: «لا تُقطَعُ يَدُ السّارِقِ إلا فِي رُبعِ دِينارٍ فَصاعِدًا». وفي رواية: قالَت: لَم تُقطَعْ يَدُ سارِقٍ فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أقَلَّ مِن ثَمنِ المِجَنِّ حَجَفَةٍ أو تُرْسٍ، وكِلاهُمُا ذُو ثَمَنٍ.
-يد السارق في أقل من ثمن المجن محمولة على أنه كان ربع دينار ولا بد من هذا التأويل ليوافق صريح تقديره ﷺ. (النووي)
-وكلاهما ذو ثمن إشارة إلى أن القطع لا يكون فيما قل بل يختص بما له ثمن ظاهر وهو ربع دينار كما صرح به في الروايات. (النووي)

١٥٠٥. (خ م) (١٦٨٦) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطَعَ سارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلاثَةُ دَراهِمَ.
١٥٠٦. (خ م) (١٦٨٧) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَعَنَ اللهُ السّارِقَ يَسرِقُ البَيضَةَ فَتُقطَعُ يَدُهُ، ويَسرِقُ الحَبلَ فَتُقطَعُ يَدُهُ». زادَ (خ): قالَ الأَعمَشُ: كانُوا يَرَونَ أنَّهُ بِيضُ الحَدِيدِ، والحَبلُ كانُوا يَرَونَ أنَّهُ مِنها ما يَسوى دَراهِمَ.
-وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قل وكثر من المال، كأنه يقول إن سرقة الشيء اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الخلق الذي لا قيمة له إذا تعاطاه فاستمرت به العادة لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده، كأنه يحذر هذا الفعل، وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته. (ابن حجر)

باب: حَدُّ الرِّدَّةِ


١٥٠٧. (خ) (٦٩٢٢) عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ ﵁ بِزَنادِقَةٍ فَأَحرَقَهُم، فَبَلَغَ ذَلكَ ابنَ عَبّاسٍ ﵄ فَقالَ: لَو كُنتُ أنا لَم أُحرِقهُم، لِنَهي رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لا تُعَذِّبُوا بِعَذابِ اللهِ». ولَقَتَلتُهُم، لِقَولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقتُلُوهُ».
- تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر، فإنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر لكن مع الإكراه. (ابن حجر)
- واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد. (ابن حجر)
-النهي عن التعذيب بالنار حتى لو كان لقتال أعداء الإسلام، وإنما المشروع قتلهم كما ورد في الأحاديث.

باب: الـنَّهْيُ عَنِ الشَّفاعَةِ فِـي الحُدُودِ


١٥٠٨. (خ م) (١٦٨٨) عَنْ عائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أنَّ قُرَيشًا أهَمَّهُم شَأنُ المَرأَةِ الَّتِي سَرَقَت فِي عَهدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزوَةِ الفَتحِ، فَقالُوا: مَن يُكَلِّمُ فِيها رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقالُوا: ومَن يَجتَرِئُ عَلَيهِ إلا أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ. فَأُتِيَ بِها رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَكَلَّمَهُ فِيها أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وجهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: «أتَشفَعُ فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ؟!» فَقالَ لَهُ أُسامَةُ: استَغفِر لِي يا رَسُولَ اللهِ. فَلَمّا كانَ العَشِيُّ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فاختَطَبَ، فَأَثنى عَلى اللهِ بِما هُوَ أهلُهُ، ثُمَّ قالَ: «أمّا بَعدُ؛ فَإنَّما أهلَكَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم أنَّهُم كانُوا إذا سَرَقَ فِيهِم الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فِيهِم الضَّعِيفُ أقامُوا عَلَيهِ الحَدَّ، وإنِّي والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنَّ فاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَها». ثُمَّ أمَرَ بِتِلكَ المَرأَةِ الَّتِي سَرَقَت فَقُطِعَت يَدُها، قالَت عائِشَةُ: فَحَسُنَت تَوبَتُها بَعدُ، وتَزَوَّجَت، وكانَت تَأتِينِي بَعدَ ذَلكَ فَأَرفَعُ حاجَتَها إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ. وفي رواية (م): عَن عائِشَةَ قالَت: كانَت امرَأَةٌ مَخزُومِيَّةٌ تَستَعِيرُ المَتاعَ وتَجحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أًن تُقطَعَ يَدُها ... نَحوَهُ. ورَوى (م) عَن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ نَحوَ حَدِيثِ البابِ مَختَصَرًا، وفِيهِ: فَأُتِي بِها النَّبِيُّ ﷺ فَعاذَت بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ...
-لا ينبغي الشفاعة في حد من حدود الله.
-وجوب إقامة الحدود على أصحابها مهما كانت مناصبهم أو غناهم، قرابتهم.
-عدالة رسول الله ﷺ حيث أنه أخبر بإقامة الحد على ابنته لو كانت هي السارقة.

باب: كَمْ يُجْلَدُ فِـي شُرْبِ الخَمْرِ


١٥٠٩. (خ م) (١٧٠٦) عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ ﵁؛ أنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ جَلَدَ فِي الخَمرِ بِالجَرِيدِ والنِّعالِ، ثُمَّ جَلَدَ أبُو بَكرٍ أربَعِينَ، فَلَمّا كانَ عُمَرُ، ودَنا النّاسُ مِن الرِّيفِ والقُرى، (قالَ: ما تَرَونَ فِي جَلدِ الخَمرِ؟ فَقالَ عَبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوفٍ: أرى أن تَجعَلَها كَأَخَفِّ الحُدُودِ). قالَ: فَجَلَدَ عُمَرُ ثَمانِينَ.
ورَوى (خ) عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ نَحوَهُ، وفِيهِ: حَتّى كانَ آخِرُ إمرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أربَعِينَ، حَتّى إذا عَتَوا وفَسَقُوا جَلَدَ ثَمانِينَ. ورَوى (خ) عَن عُقبَةَ بْنِ الحارِثِ؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِي بِنُعَيمانَ أو بِابنِ نُعَيمانَ وهُو سَكرانُ، فَشَقَّ عَلَيهِ، وأَمَرَ مَن فِي البَيتِ أن يَضرِبُوهُ، فَضَرَبُوهُ بِالجَرِيد والنِّعالِ، وكُنتُ فِيمَن ضَرَبَهُ.
١٥١٠. (خ م) (١٧٠٧) عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قالَ: ما كُنتُ أُقِيمُ عَلى أحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فِيهِ فَأَجِدَ مِنهُ فِي نَفسِي إلا صاحِبَ الخَمرِ، لأنّهُ إن ماتَ ودَيتُهُ؛ لأنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَم يَسُنَّهُ.
١٥١١. (م) (١٧٠٧) عَنْ حُضَيْنِ بْنِ المُنْذِرِ أبِي ساسانَ قالَ: شَهِدتُ عُثْمانَ بنَ عَفّانَ ﵁ وأُتِيَ بِالوَلِيدِ؛ قَد صَلّى الصُّبحَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: أزِيدُكُم؟ فَشَهِدَ عَلَيهِ رَجُلانِ، أحَدُهُما حُمرانُ، أنَّهُ شَرِبَ الخَمرَ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّهُ رَآهُ يَتَقَيَّأُ، فَقالَ عُثْمانُ: إنَّهُ لَم يَتَقَيَّأ حَتّى شَرِبَها، فَقالَ: يا عَلِيُّ؛ قُم فاجلِدهُ. فَقالَ عَلِيٌّ ﵁: قُم يا حَسَنُ فاجلِده. فَقالَ الحَسَنُ ﵁: ولِّ حارَّها مَن تَوَلّى قارَّها. فَكَأَنَّهُ وجَدَ عَلَيهِ، فَقالَ: يا عَبدَ اللهِ بنَ جَعفَرٍ؛ قُم فاجلِدهُ. فَجَلَدَهُ وعَلِيٌّ يَعُدُّ، حَتّى بَلَغَ أربَعِينَ، فَقالَ: أمسِك، ثُمَّ قالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أربَعِينَ، وجَلَدَ أبُو بَكرٍ أربَعِينَ، وعُمَرُ ثَمانِينَ، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهَذا أحَبُّ إلَيَّ. رَوى (خ) معناه مُختصَرًا جدًا [فِي سِياقٍ آخَرَ طَويلٍ] عَن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، وفيه: أمّا ما ذَكَرتَ مِن شَأنِ الوَلِيدِ فَسَنَأخُذُ فِيهِ بِالحَقِّ إن شاءَ اللهُ، ثُمَّ دَعا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أن يَجلِدَهُ، فَجَلَدَهُ ثَمانِينَ. وفي رواية (خ): فَجَلَدَهُ أربَعِينَ. [وهَذا أصَحُّ، قالَهُ ابنُ حَجَرٍ].
-(وكل سنة) معناه أن فعل النبي ﷺ وأبي بكر سنة يعمل بها وكذا فعل عمر، ولكن فعل النبي ﷺ وأبي بكر أحب إلي وقوله (وهذا أحب إلي) إشارة إلى الأربعين التي كان جلدها وقال للجلاد أمسك، ومعناه هذا الذي قد جلدته وهو الأربعون أحب إلي من الثمانين. (النووي)
- وفيه أن فعل الصحابي سنة يعمل بها، وهو موافق لقوله ﷺ: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". (النووي)
- أجمع المسلمون على تحريم شرب الخمر، وأجمعوا على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلا أو كثيرا، وأجمعوا على أنه لا يقتل بشربها وإن تكرر ذلك منه. (النووي)

١٥١٢. (خ) (٦٧٨١) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِسَكرانَ، فَأَمَرَ بِضَربِهِ، فَمِنّا مَن يَضرِبُهُ بِيَدِهِ، ومِنّا مَن يَضرِبُهُ بِنَعلِهِ، ومِنّا مَن يَضرِبُهُ بِثَوبِهِ، فَلَمّا انصَرَفَ قالَ رَجُلٌ: ما لَهُ أخزاهُ اللهُ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَونَ الشَّيطانِ عَلى أخِيكُم».
-ينبغي لمن رأى مبتلى بمعصية أن يدعو له، ويسعى لإصلاحه، ولا يكون عون للشيطان على أخيه بالدعاء عليه، وسبه وشتمه.

باب: فِـي التَّعْزِيرِ


١٥١٣. (خ م) (١٧٠٨) عَنْ أبِي بُرْدَةَ الأَنْصارِيِّ ﵁؛ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لا يُجلَدُ أحَدٌ فَوقَ عَشَرَةِ أسواطٍ إلا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ».
ورَوى (خ) عَن عَبْدِ الرَّحمنِ بْنِ جابِرٍ؛ عَمَّن سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ: «لا عُقُوبَةَ فَوقَ عَشرِ ضَرَباتٍ إلاَّ ...»، مِثلُهُ.
١٥١٤. (خ) (٦٨٣٤) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ قالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ المُخَنَّثِينَ مِن الرِّجالِ، والمُتَرَجِّلاتِ مِن النِّساءِ، وقالَ: «أخرِجُوهُم مِن بُيُوتِكُم». قالَ: وأَخرَجَ فُلانًا، وأَخرَجَ عُمَرُ فُلانًا. وفي رواية: قالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِن الرِّجالِ بِالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ مِن النِّساءِ بِالرِّجالِ.
-قال ابن التين: المراد باللعن في هذا الحديث من تشبه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء فإن لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشد ممن لم يصل إلى ذلك. قال: وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت؛ لئلا يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر. (ابن حجر)
-استدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ وهو واضح لورود علامات التحريم وهو لعن من فعل ذلك. (ابن حجر)
-لعن من تشبه من النساء بالرجال والعكس.

باب: لا يُعَذِّبُ بِعَذابِ اللهِ


١٥١٥. (خ) (٣٠١٦) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: بَعَثَنا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعثٍ فَقالَ: «إن وجَدتُم فُلانًا وفُلانًا فَأَحرِقُوهُما بِالنّارِ». ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أرَدنا الخُرُوجَ: «إنِّي أمَرتُكُم أن تُحرِقُوا فُلانًا وفُلانًا، وإنَّ النّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا اللهُ، فَإن وجَدتُمُوهُما فاقتُلُوهُما».

باب: الحُدُودُ كفّارَةٌ


١٥١٦. (خ م) (١٧٠٩) عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ ﵁ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَجلِسٍ، فَقالَ: «تُبايِعُونِي عَلى أن لا تُشرِكُوا باللهِ شَيئًا، ولا تَزنُوا، ولا تَسرِقُوا، ولا تَقتُلُوا (النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلا بِالحَقّ) فَمَن وفى مِنكُم فَأَجرُهُ عَلى اللهِ، ومَن أصابَ شَيئًا مِن ذَلكَ فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ، ومَن أصابَ شَيئًا مِن ذَلكَ فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ فَأَمرُهُ إلى اللهِ، إن شاءَ عَفا عَنهُ، وإن شاءَ عَذَّبَهُ». لَفظُ (خ): «ولا تَقتُلُوا أولادَكُم». وزادَ (خ): «ولا تَأتُوا بِبُهتانٍ تَفتَرُونَهُ بَينَ أيدِيكُم وأَرجُلِكُم، ولا تَعصُونِي فِي مَعرُوفٍ».
وفي رواية: قالَ: إنِّي لمنَ النُّقباءِ الذينَ بايَعُوا رَسولَ اللهِ ﷺ، وفِيها: ولا نَنتهِبَ، ولا نَعصيَ، فالجنَّةُ إن فَعَلنا ذلكَ، فَإن غَشِينا مِن ذَلكَ شَيئًا كانَ قَضاءُ ذَلكَ إلى اللهِ. وفي رواية: فَتَلا عَلَينا آيَةَ النِّساء: ﴿أن لا يشركن بالله شيئا﴾ [الممتحنة: ١٢]. وفي رواية (م): أخَذَ عَلَينا رَسُولُ اللهِ ﷺ كَما أخَذَ عَلى النِّساءِ؛ أن لا نُشرِكَ ... وفِيها: ولا يَعْضَهَ بعضُنا بعضًا.
- تحريم هذه المذكورات في الحديث وما في معناها. (ابن حجر)
-منها الدلالة لمذهب أهل الحق أن المعاصي غير الكفر لا يقطع لصاحبها بالنار إذا مات ولم يتب منها بل هو بمشيئة الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، خلافا للخوارج والمعتزلة فإن الخوارج يكفرون بالمعاصي، والمعتزلة يقولون لا يكفر ولكن يخلد في النار. (ابن حجر)

١ سئل عبدالله بن أبي أوفى: هل رَجَم رسول الله ﷺ بعد ما أنزلت سورة النور أو قبلها؟ فقال:

٥/٠