باب تحريم النظر إِلَى المرأة الأجنبية والأمرد الحسن لغير حاجة شرعية


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30]، وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، وقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: 19]، وقال تَعَالَى: ﴿إنَّ رَبكَ لَبِالمِرْصَادِ﴾ [الفجر: 14].
1622 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «كُتِبَ عَلَى ابْن آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ: العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِناهُ الكَلاَمُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الخُطَا، والقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ». متفق عَلَيْهِ. هَذَا لفظ مسلمٍ، ورواية البخاري مختصرَةٌ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الأجنبية هي التي ليس بينك وبينها محرمية، سواءً أكانت قريبة أم بعيدة، والأمرد: هو الشاب الذي لم تنبت لحيته، ولم يكن على شاربه شعر ثخين، والحسن ضد القبيح، النظر إلى المرأة الأجنبية محرم؛ لأن الله أمر بغض البصر، وحفظ الفرج، وهذا يدل على أن عدم غض البصر، سبب لعدم حفظ الفرج، وأن الإنسان إذا أطلق بصره، تعلق قلبه بالنساء، ثم لا يزال به النظر حتى يدنو من المرأة، ويكلمها ويخاطبها ثم يعدها، ثم تحصل الفاحشة، والعياذ بالله، ولهذا يقال إن النظر بريد الزنا، يعني أنه يدعو إلى الزنا، فأمر الله بغض البصر، وقال ﷿:﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:19]، خائنة الأعين: أي مسارقتها النظر، أن تنظر على وجه الخفاء الذي لا يدركه الناس، لكن الله يعلمه، فهو يعلم خائنة الأعين، ويعلم ﷿ ما تخفي الصدور من النيات الحسنة، والنيات السيئة، بل يعلم ما توسوس به النفس وما يستقبل للمرء.
- المرأة التي ليست أجنبية، والتي يحرم عليك نكاحها، فالنظر إليها لا بأس به، النظر إلى وجهها، وإلى رأسها، وإلى كفيها وذراعيها وساقيها وقدميها، كل هذا لا بأس به، إلا أن يخاف الإنسان الفتنة على نفسه، فإنه لا ينظر، ولا إلى محارمه، فلو قُدر أن للإنسان أختاً من الرضاعة، جميلة فهي محرم له، أخته من الرضاعة،كأخته من النسب، لكن إذا خاف على نفسه الفتنة من النظر إليها، وجب عليه غض بصره، ووجب عليها أن تحتجب عنه أيضاً؛ لأن أصل وجوب الحجاب، الخوف من الفتنة، فإذا وجدت الفتنة، فإنه لابد من ستر الوجه، ولو عن المحارم، وأما إذا لم تكن فتنة، وكان الإنسان سليم القلب، عفيفاً فهذا يحرم عليه أن ينظر إلى غير محارمه، مثلا لا ينظر إلى بنت عمه، ولا بنت خاله، وكذلك لا ينظر إلى أخت زوجته، ولا ينظر إلى زوجة أخيه، وهلم جرًا، فالمحارم يجوز النظر إليهن ما لم يخش الفتنة أما غير المحارم فيحرم النظر إليهن مطلقاً.
- (مدرك ذلك لا محالة)، يعني أنّ الإنسان مدرك للزنا، لا محالة إلا من عصمه الله، ثم ذكر النبي ﷺ أمثلة لذلك، فالعين زناها النظر، يعني أن الرجل إذا نظر إلى امرأة ولو لغير شهوة، وهي ليست من محارمه، فهذا نوع من الزنا، وهو زنا العين، والأذن زناها الاستماع، يستمع الإنسان إلى كلام المرأة، ويتلذذ به، هذا زنا الأذن، وكذلك اليد، زناها البطش، يعني العمل باليد من اللمس، وما أشبه ذلك، والرجل زناها الخطا، يعني أن الإنسان يمشي إلى محل الفواحش مثلاً، أو يسمع إلى صوت امرأة فيمشِ إليه، أو يرى امرأة فيمشي إليها، هذا نوع من الزنا، لكن زنا الرجل، القلب يهوى ويميل إلى هذا الأمر، أي التعلق بالنساء، هذا زنا القلب، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، يعني أنه إذا زنى بالفرج والعياذ بالله، فقد صدق زنا هذه الأعضاء، وإن لم يزني بفرجه، بل سلم وحفظ نفسه، فإن هذا يكون تكذيباً لزنا هذه الأعضاء، فدل ذلك على الحذر من التعلق بالنساء، لا بأصواتهن، ولا بالرؤية إليهن، ولا بمسهن ولا بالسعي إليهن، ولا بغواية القلب لهن، كل ذلك من أنواع الزنا والعياذ بالله.
- ليحذر الإنسان العاقل العفيف، من أن يكون في هذه الأعضاء شيء يتعلق بالنساء، والواجب إذا أحس من نفسه بهذا أن يبتعد؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم، مجرى الدم، والنظر سهم مسموم من سهام إبليس، قد ينظر المرء إلى امرأة، ولا تتعلق نفسه بها أول مرة، لكن في الثانية، في الثالثة، حتى يكون قلبه معلق بها، لا يذكر إلا هذه المرأة إن قام ذكرها، وإن قعد ذكرها، وإن نام ذكرها، وإن استيقظ ذكرها، فيحصل بهذا الشر والفتنة.
قال ابن باز ﵀:
- المؤمن في هذه الدنيا معرَّضٌ للفتن: فتن الشَّهوات والشُّبهات، فالواجب عليه الحذر من أسبابها، واتقاؤها غاية ما يمكنه، وسؤال الله التوفيق، والإعانة والعافية من مُضلات الفتن، ويأخذ بالأسباب الواقية؛ لأنَّ الله أمر بذلك، أمر بالأسباب وحثّ عليها، ويقول جل وعلا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:30]، فإذا أطلق بصرَه، رأى ما لا يحل له من النساء، أو المردان اللذين قد يتعلق بهم القلب، وقد يرى أشياء أخرى، يحرم عليه النظر إليها، وهكذا اليد قد تمد إلى ما لا يحل: من لمس ما لا يحل، أو تناول ما لا يحل، وهكذا الرِّجْل قد تمشي إلى ما لا يحل، فالواجب أن تُصان هذه الجوارح، ويحذر المؤمن، والنفس تتمنى وتشتهي، فالإنسان يتمنى ويشتهي، قد يتمنى هذا، قد يشتهي هذا، ويتوسَّل بالوسائل، والفرج يُصدِّق ذلك أو يُكذِّبه، فالفرج يُصدِّق ذلك بوقوع الفاحشة، أو يُكذِّبه بعدم وقوعها إن كان الله صانه وعافاه من ذلك، فهذه الجوارح وسيلة إلى زنا الفرج، فيجب الحذر منها حتى لا تقع في الغاية التي هي الزنا أو اللواط، ولا حول ولا قوة إلا بالله
.
1623 - وعن أَبي سعيد الخُدريِّ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيّاكُمْ والجُلُوس فِي الطُّرُقَاتِ!» قالوا: يَا رسولَ الله، مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فَقَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «فَإذَا أبَيْتُمْ إِلاَّ المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّريقِ يَا رسولَ اللهِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، والأَمرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهيُ عنِ المُنْكَرِ» متفق عَلَيْهِ.
1624 - وعن أَبي طلحة زيد بن سهل - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا قُعُودًا بالأفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فِيهَا فَجَاءَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا لَكُمْ وَلِمَجَالسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ». فقُلْنَا: إنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأسٍ، قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ، وَنَتَحَدَّثُ. قَالَ: «إمَّا لاَ فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَحُسْنُ الكَلاَمِ». رواه مسلم.
«الصُّعُدات» بضمِ الصاد والعين: أيْ الطُّرقَاتِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- غض البصر: أن تغضوا أبصاركم عن المارة، ولا تحدقوا فيهم، ولا تنظروا إليهم؛ لأن بعض الناس يجلس على الطرقات، وكلما مر إنسان، صار يراقبه من حين أن يقبل إلى أن يدبر، وهذا خلاف ما أمر به النبي ﷺ، فيغض البصر ولاسيما إذا مرت المرأة، فإن الواجب غض البصر من وجهين: من حيث أنها امرأة، ومن حيث إن التركيز على المار يوجب أن يخجل ويتأذى بذلك.
- كف الأذى: ألا تؤذوا أحدا من المارة، لا بقول ولا بفعل، لا بقول تسمعونه إياه يتأذى به، ولا بفعل، بأن تضيقوا الطريق، فتمدوا أرجلكم مثلاً، أو تضجعوا في الطريق، أو ما أشبه ذلك.
قال ابن باز ﵀:
- (إيَّاكم والجلوسَ في الطُّرقات)؛ لأنها مظنة التعرض للفتن، ومرور النساء وغير النساء، (أما إذا أبيتُم)، هذا يُفيد أن ترك المجالس، أولى وأبعد عن الشر، لكن إذا دعت إليها الحاجةُ، فالواجب أن يُعْطَى الطريق حقّه. أما إذا تيسَّر مجلسٌ بعيدٌ عن الطريق، فهذا طيبٌ، هذا أسلم، لكن إذا دعت الحاجةُ إلى حافَّة الطريق، وما حول الطريق، فالواجب أن يُعْطَى الطريقُ حقّه، من غضِّ البصر عن محارم الله، وكفِّ الأذى، ورد السلام على مَن سلَّم، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، حسب الطاقة، بالحكمة والأسلوب الحسن، واللين وعدم العنف، حتى تكون هاديًا مهديًّا، وحتى تكون هذه الجلسات نافعة، تنفعك وتنفع المارة.

1625 - وعن جرير - رضي الله عنه - قَالَ: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نَظَرِ الفَجْأَةِ فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ». رواه مسلم.
قال ابن عثيمين ﵀:
- نظر الفجأة: هو الذي يفاجأ الإنسان، مثل أن تمر به امرأة مفاجأة، وتكون قد كشفت وجهها، فقال النبي ﷺ، اصرف بصرك، يعني أدره يميناً أو شمالاً، حتى لا تنظر، فيستفاد من هذا: تحريم نظر الرجل إلى المرأة، لكن إذا حصل هذا فجأة، فإنه يعفى عنه؛ لأنه بغير اختيار من الإنسان، وما كان بغير اختيار من الإنسان، فإن الله قد عفى عنه.
قال ابن باز ﵀:
- إذا نظر إلى امرأةٍ فجأةً، فإنّه يصرف بصره، وفي حديث عليٍّ: (فإنَّ لك الأولى، وليس لك الآخرة)، فإذا صادف أنَّه رآها خارجةً من بابٍ أو سكةٍ أو غير ذلك، فليصرف بصره، يحني بصره عنها، لا يتابع النظرة النظرة، بل يغضّ بصره، فله الأولى، وليس له الآخرة.

1626 - وعن أُم سَلَمَة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كنتُ عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعِندَهُ مَيْمُونَة، فَأقْبَلَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُمِرْنَا بِالحِجَابِ فَقَالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «احْتَجِبَا مِنْهُ» فَقُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ، ألَيْسَ هُوَ أعْمَى! لاَ يُبْصِرُنَا، وَلاَ يَعْرِفُنَا؟ فَقَالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «أفَعَمْيَاوَانِ أنتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ!؟». رواه أَبُو داود والترمذي، وقال: «حديث حسن صحيح».
قال ابن عثيمين ﵀:
- هذا الحديث ضعيف؛ لأنّ الأحاديث الصحيحة كلها ترده فإنّ النبي ﷺ قال: لفاطمة بنت قيس: (اعتدي في بيت ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك عنده)، وهذا الحديث في الصحيحين، وأما هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀، فقد قال الإمام أحمد ﵀: إن رفعه خطأ، لا يصح عن النبي ﷺ، وعلى هذا فلا يحرم على المرأة أن تنظر إلى الرجل، ولو كان أجنبي، بشرط ألا يكون نظرها بشهوة، أو لتمتع، يعني نظر عادي، ولذلك نجد الرجال، يمشون في الأسواق،كاشفين وجوههم والنساء ينظرون إلى الوجوه، وكذلك النساء في عهد النبي ﷺ يحضرن إلى المسجد، ولا يحتجب الرجال عنهن، ولو كان الرجل لا يحل للمرأة أن تراه لوجب عليه أن يحتجب، كما تحتجب المرأة عن الرجل، فالصحيح أن المرأة لها أن تنظر من الرجل، لكن بغير شهوة ولا استمتاع أو تلذذ، وأما الرجل فيحرم عليه أن يرى المرأة.
قال ابن باز ﵀:
- هذا حديث ضعيف، وإن حسَّنه الترمذي، وقد غلط في تحسينه وتصحيحه، فهو حديثٌ ضعيف، ليس بصحيحٍ؛ لأنه من رواية مولًى لأم سلمة مجهول الحال، لا تُعرف عدالته، ولأنه يُعارض الأحاديث الصَّحيحة، فقد قال ﷺ: (إنَّما جُعِلَ الاستئذان من أجل النظر)، فالاستئذان من أجل النظر، فالأعمى لا يجب التَّحجب عنه، ولا يلزم، وهكذا حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها الصحيح، يدل على أنَّ وضع المرأة ثيابها عند الأعمى لا حرج فيه، ولا بأس؛ لأن المقصود غضّ البصر، والبصر مفقود، فلا حجابَ عن الأعمى، فهو حديثٌ ضعيفٌ كما نبَّه عليه أهلُ العلم، والترمذي رحمه الله يغلط بعض الأحيان في التصحيح، وهكذا المؤلف النووي رحمه الله قد يتساهل ويُقلد الترمذي وغيره.

1627 - وعن أَبي سعيد - رضي الله عنه: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلاَ المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلاَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ في ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلاَ تُفْضي المَرْأةُ إِلَى المَرْأَةِ في الثَّوْبِ الواحِدِ». رواه مسلم.
قال ابن عثيمين ﵀:
- هذا نهي للناظرة أن تنظر إلى عورة المنظورة، يعني لو انكشفت عورة المرأة المنظورة بريح أو بقضاء حاجة أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يحل للأخرى أن تنظر إلى عورتها، وهي ما بين السرة والركبة، وكذلك الرجل لو انكشفت عورته بريح أو لغير هذا من الأسباب فلا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الرجل، وهذا الحديث تشبث به بعض النساء، فقلن إن المرأة لا يلزمها أن تستر من بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وهذا فهم خاطئ؛ لأنّ النبي ﷺ لم يرخص للمرأة أن تقتصر على ثوب يستر ما بين السرة والركبة، وإنما نهى المرأة الأخرى، أن تنظر إلى عورة المرأة، والفرق بين الأمرين ظاهر، فالمرأة اللابسة يجب أن يكون لباسها ساتراً، وكان نساء الصحابة ﵃ يسترن ما بين كعب القدم، إلى كف اليد، كل هذا مستور، لكن لو قدر أنّ امرأة انكشفت عورتها لحاجة،ـ فإن المرأة لا تنظر إلى ما بين السرة والركبة بالنسبة للأخرى، وكذلك يقال للرجل، لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وهي ما بين السرة والركبة، وهذا بالنسبة للرجل، يجوز له أن يكشف الصدر والكتف لأخيه، بدليل أنه يجوز للإنسان الرجل أن يقتصر على الإزار، أما المرأة فلا يمكن أن تقتصر على لبس الإزار، وليس هذا من عادة نساء الصحابة ﵃.
قال ابن باز ﵀:
- (ولا يُفْضِ الرجلُ إلى الرجل، في ثوبٍ واحد)، لا يصير ثوب واحد بينهما يجتمعان فيه؛ لأنّ هذا يُفضي إلى الفتنة، وهي أشد من النظر، وهكذا المرأة لا تجتمع مع المرأة في ثوبٍ واحدٍ، يعني: لباس واحد، بل يجب أن يكون لباسُ كلِّ واحدةٍ مستقلًّا، وأن يكون لباس كل واحدٍ مستقِلًّا؛ حتى لا تقع الفتنة.

باب تحريم الخلوة بالأجنبية


قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْألُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ﴾ [الأحزاب: 53].
1628 - وعن عقبة بن عامر - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ!» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أفَرَأيْتَ الحَمْوَ؟ قَالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ!». متفق عَلَيْهِ.
«الحَمْو»: قَريبُ الزَّوْجِ كَأخِيهِ، وابْنِ أخِيهِ، وَابْنِ عَمِّهِ.
1629 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لاَ يَخْلُونَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ». متفق عَليْهِ.
قال ابن عثيمين ﵀:
- الأجنبية هنا: من ليست لك بمحرم، والخلوة بها حرام، وما خلى رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، فما ظنكم بمن ثالثهما الشيطان؟ إنا ظننا بذلك أنهما سيكونا عرضة للفتنة.
- هذا تحذير بالغ، والحمو يعني أقارب الزوج من أخيه، عمه، خاله، هذا هو الحمو، أما أبو الزوج، وابن الزوج فهم من المحارم، والحمو الموت، وهذه كلمة من أبلغ ما يكون من التحذير، يعني كما أن الإنسان يفر من الموت، فيجب أن يفر من دخول أقاربه على زوجته، وأهله بلا محرم، وهذا يدل على التحذير الشديد، ودخول أقارب الزوج، على بيت الزوج، أخطر من دخول الأجانب؛ لأن هؤلاء يدخلون باعتبارهم أقارب، فلا يستنكرهم أحد، وإذا وقفوا عند الباب يستأذنون، لم ينكر عليهم أحد، لذلك كان حراماً على الإنسان، أن يمكن أخاه من الخلوة بزوجته، وبعض الناس يتهاون في هذا الأمر، تجد عنده زوجة، وله أخ بالغ، فيذهب الرجل إلى العمل، ويترك زوجته وأخاه في البيت وحدهما، وهذا حرام لا يجوز؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم، مجرى الدم، ولكن كيف الخلاص إذا كان البيت واحداً؟ يجب أن يجعل باباً بين محل الرجال، ومحل النساء مغلقاً مفتاحه معه، يأخذه معه، ثم يقول لأخيه هذا محلك، ويقول لأهله هذا محلك، ولا يجوز أن تبقى الأبواب مفتوحة؛ لأنه قد يدخل عليها فيغويه الشيطان، فيغتصبها، وربما يغرها حتى توافق؛ وتكون كأنها زوجة له، يدخل عليها ويخرج، ولا يبالي، نسأل الله العافية.
- الخلوة بالسائق يعني الإنسان عنده سائق، وله امرأة أو بنت، لا يحل له أن يجعل السائق مع المرأة، أو البنت وحدها إلا مع ذي محرم؛ لأنّ الخلوة في السيارة، أقوى من الخلوة في البيت، إذ أن الخلوة في السيارة، يستطيع أن يتفاهم معها، ثم يذهبان إلى أي مكان، ويفعل بها الفاحشة، من الذي يمنعه؟ لهذا حرام على الإنسان أن يمكن أهله من زوجة أو أخت أو بنت من أن تركب وحدها مع السائق، ولو بقدر خمس خطوات، أبداً لا يجوز.
قال ابن باز ﵀:
- تحريم الخلوة بالأجنبية؛ لأنه وسيلة إلى نزغات الشيطان، وسيلة إلى الجريمة، والحمو الموت يعني: خطر عظيم؛ لأنه قد تتساهل معه المرأة، ولا تتحجب ولا تُبالي فيطمع فيها، فالمقصود أنَّ الخلوة بالأجنبية مطلقًا لا تجوز، ولو كان حموًا، ولو كان أخاه، أو عمه، أو ابن عمه، ليس لها ذلك، حتى يكون معهم ثالث، من امرأةٍ أو رجلٍ ثالثٍ تزول به الفتنة والتهمة، فالخلوة لها خطر عظيم، فالشيطان يُزين للخالي أنه: في إمكانك أن تفعل كذا وتفعل كذا، ويُزين للمرأة أنه: في إمكانها أن تفعل كذا، ولا يعلم زوجها، ولا يعلم أحدٌ من أقاربها، حتى يُوقع الشيطانُ الفتنة. فالمقصود أنَّ الخلوة مطلقًا مع السائق أو مع غير السائق، من الحمو أو غير الحمو لا تجوز، أما إذا كان معهم ثالث أو رابع تزول الخلوة في غير السفر، أما في السفر فلا، فليس للمرأة أن تُسافر إلا مع ذي محرمٍ مُطلقًا.

1630 - وعن بُريدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، مَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِيْنَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ في أهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلاَّ وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شَاءَ حَتَّى يَرْضى» ثُمَّ التَفَتَ إلَيْنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «مَا ظَنُّكُمْ؟». رواه مسلم.
قال ابن باز ﵀:
- (كحُرمة أمهاتهم) أي الحرمة شديدة، فكونه يخرج للجهاد في سبيل الله، ثم يخلفه أحدٌ في أهله بسوءٍ فهذا من أقبح السيئات، ومن أقبح القبائح، فما من رجلٍ يخون أحدًا من المجاهدين في أهله، إلا وُقِف له يوم القيامة، حتى يأخذ من حسناته ما شاء، ثم التفت إلى الصحابة فقال: ما ظنُّكم؟ يعني: ما ظنكم؟ هل يُبقي له شيئًا مع حنقه عليه وغضبه؟ ما يُبقي له شيئًا، يأخذ ما أمكنه من حسناته، مع ما هو مُتوعَّدٌ به من العذاب على هذه الجريمة. فالواجب الحذر من الخلوة، ولا سيَّما بنساء الغُيَّاب للجهاد، أو لطلب العلم، أو نحو ذلك، فإنَّهم أحقّ بأن يُحترموا وأن يُقَدَّروا؛ لعمل أزواجهم الطيب من جهادٍ وطلب علمٍ ونحو ذلك، وهذا شيءٌ معروفٌ.

باب تحريم تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال في لباس وحركة وغير ذَلِكَ


1631 - عن ابن عباس رضي الله عنهما، قَالَ: لَعَنَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ.
وفي رواية: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ. رواه البخاري.
1632 - وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: لَعَنَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ المَرْأَةِ، والمَرْأَةَ تَلْبِسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رواه أَبُو داود بإسناد صحيح.
قال ابن عثيمين ﵀:
الله سبحانه وتعالى خلق الذكور والإناث، وجعل لكل منهما مزية، الرجال يختلفون عن النساء في الخلقة والخلق والقوة والدين وغير ذلك، والنساء كذلك يختلفن عن الرجال، فمن حاول أن يجعل الرجال مثل النساء، أو أن يجعل النساء مثل الرجال، فقد حاد الله في قدره وشرعه؛ لأن الله سبحانه وتعالى له حكمة فيما خلق وشرع، ولهذا جاءت النصوص بالوعيد الشديد، باللعن وهو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فمن تشبه بالنساء فهو ملعون على لسان النبي ﷺ، ومن تشبهت بالرجال فهي ملعونة على لسان النبي ﷺ، فالمتشبهات من النساء بالرجال تشبههن من كبائر الذنوب، وكذلك المتشبهون من الرجال بالنساء، تشبههم من كبائر الذنوب.
- مسألة تشكل على بعض النساء، وعلى بعض الناس أيضاً، يفعل الإنسان ما فيه التشبه، ويقول: أنا لم أنو التشبه، فيقال: إن الشبه صورة غالبة، متى وجدت حذر التشبه، سواء بنية أو بغير نية، فمتى ظهر أن هذا تشبه، ويشبه الكافرات، ويشبه الفاجرات والعاريات، أو يشبه الرجال من المرأة، أو المرأة من الرجل، متى ظهر التشبه فهو حرام سواءً، كان بقصد أو بغير قصد، لكن إذا كان بقصد فهو أشد، وإن كان بغير قصد، قلنا يجب عليك أن تغير ما تشبهت به، حتى تبتعد عن التشبه.
قال ابن باز ﵀:
- لعن الرسولُ ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، والمخنث: هو الذي يتشبَّه بالمرأة، يقال: "مُخَنَّث ومُخَنِّث" يعني: المتشبه بالمرأة، فالتَّخنُّث: التشبه بالنساء، فالواجب الحذر من ذلك، وأن يكون الرجلُ في لباسه وكلامه وحركته متميزًا، والمرأة كذلك
.
1633 - وعنه، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «صِنْفَانِ مِنْ أهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ، رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا، وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكذَا». رواه مسلم.
معنى «كَاسِيَاتٌ» أيْ: مِنْ نِعْمَةِ اللهِ «عَارِيَاتٌ» مِنْ شُكْرِهَا. وَقِيلَ مَعْنَاهُ: تَسْتُرُ بَعْضَ بَدَنِهَا، وَتَكْشِفُ بَعْضَهُ إظْهارًا لِجَمَالِهَا وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: تَلْبَسُ ثَوبًا رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَدَنِهَا. وَمَعْنَى «مائِلاَتٌ»، قِيلَ: عَنْ طَاعَةِ اللهِ وَمَا يَلْزَمُهُنَّ حِفْظُهُ «مميلاَتٌ» أيْ: يُعَلِّمْنَ غَيْرَهُنَّ فِعْلَهُنَّ المَذْمُومَ. وَقِيلَ: مَائِلاَتٌ يَمْشِينَ مُتَبَخْتِرَاتٍ، مُمِيلاَتٌ لأَكْتَافِهِنَّ، وقيلَ: مائلاتٌ يَمْتَشطنَ المِشْطَةَ المَيلاءَ: وهي مِشطةُ البَغَايا، و «مُميلاتٌ» يُمَشِّطْنَ غَيْرَهُنَّ تِلْكَ المِشْطَةَ.
«رُؤوسُهُنَّ كَأسْنِمَةِ البُخْتِ» أيْ: يُكَبِّرْنَهَا وَيُعَظِّمْنَهَا بِلَفِّ عِمَامَةٍ أَوْ عِصَابَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
قال ابن عثيمين ﵀:
- من ضرب الناس بغير حق، فهو من أصناف أهل النار والعياذ بالله.
- كاسيات عاريات: قيل: كاسيات بثيابهن، كسوة حسية، عاريات من التقوى؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]، وعلى هذا فيشمل هذا الحديث كل امرأة فاسقة فاجرة، وإن كان عليها ثياب فضفاضة؛ لأن المراد بالكسوة، الكسوة الظاهرة، كسوة الثياب، عاريات من التقوى؛ لأن العاري من التقوى، لا شك أنه عار، وقيل كاسيات عاريات: أي عليهن كسوة حسية، لكن لا تستر، إما لضيقها، وإما لخفتها، تكون رقيقة ما تستر، وإما لقصرها، كل هذا يقال للمرأة التي تلبس ذلك إنها كاسية عارية، مميلة مائلة: مميلة يعني تميل المشطة كما فسرها بعضهم بأنها المشطة المائلة التي تجعل المشطة على جانب، فإن هذا من الميل؛ لأنها مميلات بمشطتهن، ولا سيما أن هذا الميل الذي جاءنا إنما وردنا من النساء الكفار، وهذا ابتلى به بعض النساء، لا تقرب هذه المرأة الجنة؛ لأنها خرجت عن الصراط، فهي كاسية عارية، مميلة مائلة، على رأسها ما يدعو إلى الفتنة والزينة، وفي هذا دليل على تحريم هذا النوع من اللباس؛ لأنه توعد عليه بالحرمان من الجنة، وهذا يدل على أنه من الكبائر.
قال ابن باز ﵀:
- كاسيات عاريات يعني: ملابسهن قصيرة، أو رقيقة، اسمها كسوة، لكنها عارية في الحقيقة، مائلة عن العِفَّة، وعن الصلاح، مميلة لغيرها إلى الفساد والفواحش، يُعظّمن الرؤوس بأشياء يجعلنها فيها، حتى تكون كأسنمة البخت المائلة، والبُخْت: نوعٌ من الإبل لها سنامان بينهما شيء منخفض، فهن يجعلن على رؤوسهنَّ أشياء حتى تكون كأسنمة البخت المائلة، إما للتمييز، وإما للتعاظم، وإما لأسبابٍ أخرى. فالواجب على النساء أن يحذرن هذه الصفات، وأن يكن عفيفات، بعيدات عن الفواحش، بعيدات عن الميل عن الحق والصواب، بل يلزمن الزي الصالح، والسيرة الحميدة، والحذر مما حرم الله ﷿ من الميل عن الحق، أو الإمالة إليه، أو لباس ما لا يستر من الملابس لقصره أو لرقته، والحذر من الميل إلى الباطل أو إلى الزنا، والحذر من إمالة الناس إليه من أخواتٍ، أو جارات، أو بنات، يجب على المرأة أن تحذر الزنا، وأن تحذر أن تكون عونًا فيه، أو مشيرةً فيه، أو تُميل الناس إليه، وكما يحرم على النساء يحرم على الرجال، فيحرم على الرجال أيضًا أن يكونوا دعاةً للباطل، دعاةً للإثم في أقوالهم، أو أفعالهم؛ نسأل الله العافية.