١٣- بابُ تَسْميةِ الفَرَسِ باسم عَلَمٍ، وما يُتَّقى مِن الشُّؤمِ فيها، والقَسْمِ لها/


١٣٧١. عنِ ابنِ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ: اللُّحَيْفُ. [خ:٢٨٥٥]
1. في الحديث: إشعارٌ بأنّ من حقّ الشّيء المتّخذ أن يجعل له اسمٌ.

١٣٧٢. وعَنْ أَنسِ بنِ مالكٍ قال: كَانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ وَقَالَ: «مَا رَأَيْنَا مِنْ فَزَعٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا». [خ:٢٨٥٧]
• ومِن حديث أبي قتادة: أنَّه لمَّا رَأى الصَّيدَ رَكِبَ فَرَسًا يُقَالُ لَها: الجَرَادَةُ... وقد تقدَّم الحديث [ر:٩٨٦].
1. في الحديث: بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه من جليل الصّفات.
2. وفيه: مشروعيّة سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوّ ما لم يتحقّق من الهلاك.
3. وفيه: مشروعيّة الغزو على الفرس المستعار.
4. وفيه: تبشير النّاس بعد الخوف إذا ذهب.

١٣٧٣. [ق] وعن عبد اللهِ بْن عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الفَرَسِ وَالمَرْأَةِ وَالدَّارِ». [خ:٢٨٥٨]
1. قال القرطبي: ولا يظن به أنه يحمله على ما كانت الجاهلية تعتقده بناء على أن ذلك يضر وينفع بذاته، فإن ذلك خطأ، وإنما عنى أن هذه الأشياء هي أكثر ما يتطير به الناس، فمن وقع في نفسه شيء أبيح له أن يتركه ويستبدل به غيره.

١٣٧٤. [ق] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ فَفِي المَرْأَةِ وَالفَرَسِ وَالمَسْكَنِ». [خ:٢٨٥٩]
١٣٧٥. [ق] وعَنِ ابنِ عُمَرَ أنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ لِلْفَرَسِ سَهْمَينِ، وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا. [خ:٢٨٦٣]
الغريب: (الحائط): بستانُ النَّخلِ. و(اللُّحَيْفِ): رُوِّيناه بالحاء المهملة وضمِّ اللَّام، وفتح الحاء وياء التَّصغير بعدها، وكأنَّه تصغير لِحفٍ، وهو جانب الجَبلِ، وصغَّره عَلى نحو: فَلْس وفُلَيْس. وذكره الهَرَوي عَن أبي عُبَيدٍ: (اللَّحِيف) بفتح اللَّام وكَسر الحاء، قال: فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ، كأنَّه يُلْحِف الأرضَ بذَنَبِهِ لطوله. و(مَنْدوبٌ): اسم مفعولٍ مِن نَدَبَ إلى كَذا: إذا حَضَّهُ عليه، فكأنَّه لمسارعته لِمَا يُراد منه مِن الجَرْي وغيره نُدب إلى ذلك. و(الفَزَع) هنا: الذُّعْر والخوف. ويعني: (وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا) أي: كثير الجَري كالبحر. و(الشُّؤم) و(الطِّيرة) بمعنًى واحدٍ، وهو أن يجدَ الإنسان مِن نفسه كراهةً ونُفْرَةً مِن شيءٍ ما، يحملُه ذلك على مُباعدته واسْتثقاله، فإنْ تمكَّن الإنسان مِن الإعْراض عَن ذلك فهو الأَوْلَى، وإنْ لم يُمْكِنْه ذلك وكان المتشاءَمُ به أحدَ الثَّلاثة المذكورين في الحديث فقد أباح له الشَّرع مُباعدة ذلك، كما قال في الدَّار: «اتْركوها ذميمةً». هذا أَوْلَى ما قيل في ذلك. والله أعلم.

١٤- بابُ غَزوِ النِّساءِ في البرِّ والبحرِ وقتالهنَّ مع الرِّجالِ، ومُداواتهنَّ لهم، وليسَ الجِهَادُ عليهنَّ بواجب


• وقد تقدَّم حديث أمِّ حَرام بنت مِلْحان. [ر:١٣٢٨]
١٣٧٦. [ق] ومِن حديثِ عائشةَ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ/ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. [خ:٢٨٧٩]
1. وفيه جواز القرعة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر أقرع بين نسائه، وفي ذلك ردٌّ على من منعها.
2. قال النووي: وفيه وجوب الإقراع بين النساء عند إرادة السفر ببعضهن.

١٣٧٧. [ق] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا يَتـنْقُزَانِ القِرَبَ -وفي رواية: يَنْقلان القِرَبَ- على مُتونهما ثمَّ تُفْرِغَانهِ في أفواه القَوم، ثمَّ ترجعان فتملآنها، ثمَّ تجيئان فَتُفْرِغانِه في أفواه القوم. [خ:٢٨٨٠]
١٣٧٨. وَعَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى وَالقَتْلَى إِلَى المَدِينَةِ. [خ:٢٨٨٣]
١٣٧٩. وعن ثَعلبة بن أبي مالكٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: أَعْطِ هَذَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ. يُرِيدُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ. فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ -وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ- قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. [خ:٢٨٨١]
1. في الحديث: معرفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه حقّ الأنصار، وإيثارهم على زوجته ابنة بنت رسول الله ﷺ.
2. وفيه: مشروعيّة خروج المرأة مع الجيش؛ لتعين المقاتلين من الرّجال، بما يتوافق مع قدراتها، كالتّطبيب وسقيا الماء ونحوهما.

١٣٨٠. وعن عائشةَ قالت: سَأَلَهُ نِسَاؤُهُ عَنِ الجِهَادِ؟ فَقَالَ: «نِعْمَ الجِهَادُ الحَجُّ». [خ:٢٨٧٦]
١٣٨١. وقال ﷺ لعائشةَ: «جِهَادُكُنَّ الحَجُّ». [خ:٢٨٧٥]
الغريب: (الخَدَمُ) هنا: جمع خَدَمةٍ، وَهي الخَلْخَالُ. و(تَنْقُزان): تنقلان، وأصل النَّقزان: الوَثْب، يُقال: نَقَزَ وقَفَزَ، ومنه حديث ابْن مسعود: «وكان يصلِّي الظُّهر والجَنَادِبُ يَنْقُزْنَ مِن الرَّمْضَاء». حكاه الهَرَوي. و(المُروط): جمع مِرْطٍ، وهي الأكسية الرَّفيعة. و(تَزْفِرُ القِرَبَ): تَخِيطُهَا.

١٥- بابُ الغزوِ بالصِّبيانِ الأقْرباءِ، والاسْتغاثةِ بالضُّعفاءِ والصَّالحينَ في الحَرْبِ


١٣٨٢. [ق] عن أنسِ بنِ مالكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: «التَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ». فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنَا غُلَامٌ رَاهَقْتُ الحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ». ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الحِصْنَ، ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ *قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا**/ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى إِذَا* بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ». فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». ثُمَّ نَظَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ به إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ». [خ:٢٨٩٣]
1. قال النووي: «وأما استعاذته ﷺ من الجبن والبخل، فلما فيهما من التقصير عن أداء الواجبات، والقيام بحقوق الله تعالى، وإزالة المنكر، والإغلاظ على العصاة ، ولأنه بشجاعة النفس وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم والجهاد ، وبالسلامة من البخل يقوم بحقوق المال، وينبعث للإنفاق والجود ولمكارم الأخلاق، ويمتنع من الطمع فيما ليس له، قال العلماء: واستعاذته صلى الله عليه وسلم من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله وشرعه أيضا تعليما, وأما ( الكسل ): فهو عدم انبعاث النفس للخير، وقلة الرغبة مع إمكانه». ( هذه الفائدة سبق ذكرها في حديث سابق)
2. وفي الحديث: استخدام اليتيم.
3. وفيه: حمل الصّبيان في الغزو.
4. وفيه: إقامة وليمة العرس بعد البناء، وخلوّها من الخبز واللّحم.
5. وفيه: خدمة الصّغير للكبير؛ لشرفٍ في نفسه، أو في قومه، أو لعلمه، أو لصلاحه، ونحو ذلك.

١٣٨٣. وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ». [خ:٢٨٩٦]
• وقد تقدَّم في حديث ابن عبَّاس قولُ هِرقل في الضُّعفاء أنَّهم أتْباع الرُّسُل[ر:٦].
1. قوله: (إن الضعفاء هم أتباع الرسل) قال النووي: «لكون الأشراف يأنفون من تقدم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون، فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق، وأما سؤاله عن الردة، فلأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه بخلاف من دخل في أباطيل».

١٣٨٤. [ق] وعَنْ أَبي سَعيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَأْتِي زَمَانٌ تَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ عَلَيْهِم، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَيُقَالُ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ». [خ:٢٨٩٧]
الغريب: (ضِلَعُ الدَّيْنِ): ثِقْلُهُ وَمَشقَّتُهُ. و(الحَيْس): ثَرِيدةُ مِن أخلاط، قاله الهَرَويُّ. قال غيره: تمرٌ وسَمن وأَقِطٌ. و(يُحَوِّي): يُدِيرُ حَوِيَّةً -وهي كِساءٌ- حول السَّنام ثمَّ يَركب الرَّاكب. (يحبُّنا ونحبُّه) أي: نحبُّ أهله ويحبُّونا، ولعلَّه إشارة إلى الشُّهداء الَّذين فيه. وهذا أَولَى ما قيل فيه.

١٦- بابٌ: لا يُقْطَعُ على مَن قُتِلَ في المُعترَكِ بالشَّهادةِ، ووجوبُ الإخْلاصِ في الجِهَادِ


١٣٨٥. [ق] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ التَقَى هُوَ وَالمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ/ فَقَال: مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ. قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ. قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ الجَنَّةِ -فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ النَّارِ -فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». [خ:٢٨٩٨]
• وفي رواية: «وإنَّما الأعمالُ بالخَوَاتيم». [خ:٦٦٠٧]
الغريب: (شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً): هو نعت لمحذوفٍ؛ أي: نَسَمَةً شاذَّةً، ويحتمل أنْ يكون للمبالغة كنَسَّابَةٍ وعلَّامة، و(الشَّاذُّ):الخارج عَنِ الجماعة، و(الفاذُّ): المُنفرد. و(أَجْزأَ): مَهموزًا لا غير، ومعناه: أغْنَى. و(نَصلُ السَّيف): حَدِيْدته، و(ذُبَابُهُ): طَرفه المَحدود. و(آنفًا): السَّاعة، وهو ممدودٌ، وكان هذا الرَّجل مُرائيًا مُنافقًا، وقيل: اسْمه قُزْمَان. والله أعلم.

١٧- بابُ التَّحريضِ عَلى الرَّمْي، وقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ﴾[الأنفال:٦٠]


وفسَّرها رسول الله ﷺ بقوله: «ألَا إنِّ القُوَّةَ الرَّمْيُ» ثَلاثًا.
١٣٨٦. عن سَلمةَ بنِ الأَكْوَعِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ». قَالَ: فَأَمْسَكَ أَحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟». قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ». [خ:٢٨٩٩]
١٣٨٧. وعَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ/ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: «إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ». [خ:٢٩٠٠]
الغَريب: (يَنْتضلون): يَترامَوْن بالنِّضال، وهي السِّهام. و(أَكْثَبُوكُمْ) أي: صَاروا قريبًا مِنكم. و(الكَثَب): القُرب.
1. قوله: (فإن أباكم كان رامياً)، قال ابن حجر: «فيه الندب إلى اتباع خصال الآباء المحمودة والعمل بمثلها».
2. قوله: (كيف نرمي وأنت معهم؟)، قال ابن حجر: «فيه حسن أدب الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ».
3. قال النووي: فيه فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المشاجعة وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذا المسابقة بالخيل وغيرها، والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب، والتحذق فيه، ورياضة الأعضاء بذلك.
4. قال ابن حجر: «في الحديث التنويه بذكر الماهر في صناعته ببيان فضله وتطييب قلوب من هم دونه». وفيه أن الجد الأعلى يُسمى أبا.
5. وفيه أن الإمام العادل يرعى أمته، ويحضها على تعلم ما ينفعها، ويشجعها على تعلم فنون الحرب للدفاع عن دينها.

١٨- بابُ إعْدَادِ آلاتِ الحَرْبِ مِن المِجَانِّ والسُّيوفِ والأَلْوِيَةِ والدُّرُوعِ والبَيْضِ، ولباسِ الحَرير في الغَزو، ومِن الحَكَّة


• وقد تقدَّم ذِكْر حديث عائشةَ في لَعِبِ الحَبَشَة بالدَّرَقِ والحِرابِ في المسجد[ر:٢٤٢].
١٣٨٨. [ق] عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ نَبْلِهِ. [خ:٢٩٠٢]
• وسَيأتي قوله ﷺ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّه اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»[ر:١٤٠٥].
١٣٨٩. وَكَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ الأنْصَارِيُّ صَاحبَ لِواءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. [خ:٢٩٧٤]
١٣٩٠. وقالَ نافعُ بن جُبَيْرٍ: سَمِعْتُ العَبَّاسَ يَقُولُ لِلْزُّبَيْرِ ﵄: هَا هُنَا أَمَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكُزَ الرَّايَةَ؟ [خ:٢٩٧٦]
١٣٩١. [ق] وعن سَهلٍ -هو ابْنُ سعْدٍ- قال: لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ، وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالمَاءِ فِي المِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى المَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأَ الدَّمُ. [خ:٢٩٠٣]
1. في الحديث: إبراز بشريّة رسول الله ﷺ، فيصيبه ما يصيب البشر من الألم والمرض والجراح.
2. وفيه: مشروعيّة مداواة المرأة لأبيها، وكذلك لغيره من ذوي محارمها، والقيام بأمورهم.
3. وفيه: مشروعيّة التّداوي، ومعالجة الجراح، واتّخاذ التّرس في الحرب، وأنّ جميع ذلك لا يقدح في التوكّل؛ لصدوره من سيّد المتوكّلين ﷺ.

١٣٩٢. وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ -واسمُه صُدَيُّ بن عَجْلَان- قال: لَقَدْ فَتَحَ الفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمُ الذَّهَبَ وَلَا الفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيَتُهُم العَلَابِيَّ وَالآنُكَ وَالحَدِيدَ. [خ:٢٩٠٩]
١٣٩٣. عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ، وَبَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. [خ:٢٩١٢]
• وقد تقدَّم أنَّه ﷺ ماتَ ودرعٌ له مِن حَديدٍ مرهونةٌ. [ر:١٢٢٣]
١٣٩٤. [ق] عَن جَابرِ بْن عبدِ الله أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ/ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُونَا، وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، وقَالَ: «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَديهِ، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللهُ». ثَلَاثًا. وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. [خ:٢٩١٠]
• [ق] وفي رواية: «فشَامَ السَّيفَ فَها هو ذَا جالسٌ». ثُمَّ لم يُعَاقبه. [خ:٢٩١٣]
1. عفو النبي -صلى الله عليه وسلم- وكرم خلقه، وعدم انتقامه لنفسه، وبعد نظره في الأمور، وحسن معالجته للنفوس لجلبها إلى الحق.
2. جواز تفرق العسكر في النزول وعند النوم ما لم يخافوا من أمر.
3. حراسة الإمام في القائلة والليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.
4. جواز إخبار الأصحاب بما يحدث معه، وأن ذلك لا يُعدُّ من الرياء.
5. جواز تعليق السلاح إذا ائتمن عليه.

١٣٩٥. [ق] وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يَعْنِي القَمْلَ- فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ. [خ:٢٩٢٠]
١٣٩٦. [ق] وفي رواية أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لهما في قميصٍ مِن حَرير مِن حكَّةٍ بهما. [خ:٢٩١٩]
الغريب: (فَرَقَأَ الدَّمُ): انْقَطَعَ. و(العَلَابِيُّ): عَقَبٌ يُشدُّ به أَسْفَلَ الغِمْدِ وأعلاه، يُجعل موضع الحِلْيَة. و(قَفَلَ): رَجَعَ. و(العِضَاه): شجرُ البادية الَّذي له شوكٌ. و(سَمُرَة): واحدة: السَّمُر. و(اخَتَرَطَ السَّيفَ): جرَّده مِن غِمْده، و(شَامَ السَّيفَ) أي: نَظر إليه، مِن شَيْم السَّحاب، وكأنَّه -أعْني: الأعرابيَّ- اّْنْصرف عمَّا هَمَّ به إلى النَّظر إلى السَّيف. والله أعلم.

١٩- بابُ قِتالِ الرُّومِ واليَهُودِ والتُّرْكِ


١٣٩٧. عنْ عُميرِ بنِ الأَسْوَدِ العَنْسِيِّ أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ نَازِلٌ فِي سَاحلِ حِمْصَ، وَهُوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ، قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَتْنَا أُمُّ حَرَامٍ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ البَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا». قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: «أَنْتِ فِيهِمْ؟» قالت: ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ». فَقُلْتُ: أَنَا منهم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا». [خ:٢٩٢٤]
١٣٩٨. [ق] وعَن أَبي هُرَيْرَةَ، عَن رَسُول اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا اليَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الحَجَرُ وَرَاءَهُ اليَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ». [خ:٢٩٢٦]
• [ق] ونحوه عَن ابنِ عُمَرَ. [خ:٢٩٢٥]
1. قال ابن حجر: «في الحديث إشارة إلى بقاء دين الإسلام إلى أن ينزل عيسى ﵇ فإنه الذي يقاتل الدجال ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال».

١٣٩٩. وعن عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ، وَإِنَّ/ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ». [خ:٢٩٢٧]
١٤٠٠. [ق] وعَن أَبي هُريرةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ». [خ:٢٩٢٨]
الغَريب: (أَوْجَبُوا) أي: المغفرةَ والرَّحمة لأنفسهم بأعمالهم الصَّالحة وجِهادهم. وقوله ﷺ لأمِّ حَرَامٍ في الكَرَّة الثانية: «لا» لأنَّه قد كان أخبرها بأنَّها مِن القوم الأوَّلين، كما قد جاء مَنصوصًا عليه في حديث مالك. و(أشْراط السَّاعةِ): علاماتُها. و(المَجَان): جمع مِجَنٍّ، وهو التُّرْس. (والمُطْرَقة): الَّتي قد أُطْرِقَتْ بالعَقب والجُلُود، فجُعلتْ طاقةً فوق طَاقة، ومنه طارقتُ النَّعل. و(ذُلْف): جمع أَذْلَف، وهو القَصير الأنْف، وهو بالذَّال المنقوطة، يُقال: رَجل أذْلفُ، وامرأةٌ ذلْفاءٌ. و(الأُنُوفُ): جمع أَنْفٍ في الكَثرة، وفي القلَّة: آنُفٌ. و(قَيصرُ): مَلك الرُّوم، وهو هُنا هِرَقْلُ.
1. قال النووي: «وهذه كلها معجزات لرسول الله ﷺ، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها ﷺ: صغار الأعين، حمر الوجوه ، ذلف الآنف ، عراض الوجوه ، كأن وجوههم المجان المطرقة ، ينتعلون الشعر فوجدوا بهذه الصفات كلها في زماننا ، وقاتلهم المسلمون مرات ، وقتالهم الآن ، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم وأمر غيرهم ، وسائر أحوالهم ، وإدامة اللطف بهم والحماية، وﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى».

٢٠- بابُ الدُّعاءِ على المُشركينَ بالهزيمةِ حالةَ الحربِ، والدُّعاءِ لهم بالهدايةِ قبلَ ذلكَ


١٤٠١. [ق] عن عَبد الله بن أبي أَوْفَى قال: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى المُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، اللهُمَّ اّْهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللهُمَّ اّْهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ». [خ:٢٩٣٣]
1. قوله: (اللهم منزل الكتاب ومجري الحساب) قال النووي: «فيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار».

١٤٠٢. [ق] وعن عبد الرَّحمن بن هُرْمُز قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا. فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ. فَقَالَ: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَاّْئتِ بِهِمْ». [خ:٢٩٣٧]

٢١- بابُ دُعاءِ أَهلِ الأديانِ للدُّخولِ في دِيْنِ الإِسلامِ، والكِتابِ إليهم بذلكَ


• وقد تقدَّم كتاب النَّبيِّ ﷺ لِهرقلَ. [ر:٦]
١٤٠٣. [ق] وعَنْ أنسِ بنِ مالكٍ قال: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ/ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَؤونَ كِتَابًا إِلَّا يَكُونُ مَخْتُومًا. فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ. [خ:٢٩٣٨]
1. قوله: (لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا) قال النووي: «سبب النهي أنه ﷺإنما اتخذ الخاتم، ونقش فيه ليختم به كتبه إلى ملوك العجم وغيرهم، فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة، وحصل الخلل».
2. فيه بيان جواز كتابة العالم بالعلم إلى البلدان.

١٤٠٤. وعن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى خَرَّقَهُ. [خ:٢٩٣٩]
• [خت] قال سَعيدُ بن المُسَيِّبِ: فَدَعَا عَلَيْهِم النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّق.
1. قال الشافعي وسائر العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام كما كان في زمنه ﷺ، فعلمنا ﷺ بانقطاع ملكهما في هذين الإقليمين، فكان كما قال ﷺ. فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل ممزق، واضمحل بدعوة رسول الله ﷺ. وأما قيصر فانهزم من الشام، ودخل أقاصي بلاده، فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت للمسلمين، ولله الحمد، وأنفق المسلمون كنوزهما في سبيل الله كما أخبر ﷺ، وهذه معجزات ظاهرة.

٢٢- بابُ الحَضِّ على الدَّعوةِ قبلَ القِتالِ، وشنِّ الغَارةِ عند الصَّباحِ


١٤٠٥. [ق] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّه اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ». فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيٌّ؟» فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: «عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ اّْدْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». [خ:٢٩٤٢]
1. قوله: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن تكون لك حمر النعم) قال النووي: «هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه، وقد سبق بيان أن تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها لو تصورت».
2. قوله: (فاستشرف لها الناس) قال النووي: «أي تطلعوا إلى الولاية، ورغبوا فيها حرصا على أن يكون هو الأمين الموعود في الحديث، لا حرصا على الولاية من حيث هي».
3. قال النووي: «وفيه أن تشبيه أمور الآخرة بأعراض الدنيا إنما هو للتقريب من الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة الباقية خير من الدنيا بأسرها وأمثالها معها لو تصورت».
4. قال ابن حجر: «وفيه أن تألف الكافر حتى يسلم أولى من المبادرة إلى قتله».
5. قال النووي: «وفي هذا الحديث بيان فضيلة العلم، والدعاء إلى الهدى، وسن السنن الحسنة».
6. قال ابن القيم: «والحديث يدل على فضل العلم والتعليم وشرف منزلة أهله بحيث إذا اهتدى رجل واحد بالعالم كان ذلك خيراً له من حمر النعم، وهي خيارها وأشرفها عند أهلها، فما الظن بمن يهتدي به كل يوم طوائف من الناس».

١٤٠٦. [ق] وعَن أَنسِ بنِ مَالكٍ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَمَا يُصْبِحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ». [خ:٢٩٤٣-٢٩٤٥]
الغَريب: (النَّعَم): الإِبلُ. و(حُمُرها): أقواها وأجلدُها وأغبطُها. و(المَكَاتِلُ): جمع مِكْتَلٍ، وهو الزَّنْبِيل. (الخَميس): الجيش، سُمِّي بذلكَ لأنَّه مُقَسَّم على خمسة أخماسٍ: ميمنة، وميسرة، ومقدِّمة، وَسَاقة، وقلب. و(السَّاحة): النَّاحية.
1. قوله: (الله أكبر خربت خيبر) قال النووي: «فيه دليل لاستحباب الذكر والتكبير عند الحرب، وهو موافق لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾».
2. قوله: (محمد والخميس) قال النووي: «وهو الجيش. قال الأزهري وغيره، سمي خميساً لأنه؛ خمسة أقسام: مقدمة وساقة، وميمنة وميسرة وقلب».

٢٣- بابُ التَّوْرِيةِ في الغزوِ، إلَّا إِذا أرادَ سفرًا بعيدًا/ فليُجَلِّ للنَّاسِ قصدَهُ، والتَّوديعِ عِندَ السَّفرِ


١٤٠٧. [ق] عن كعب بن مَالِكٍ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ. الحديثَ. [خ:٢٩٤٨]. وسيأتي بكماله إنْ شاء الله. [ر:١٩٥٠]
١٤٠٨. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ فقَالَ لَنَا: «إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا -لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا- فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ». ثمَّ قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْنَا الخُرُوجَ، فَقَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بِالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا». [خ:٢٩٥٤]
تفسيرُ (فُلانٌ وفُلانٌ): هما هَبَّار بن الأسْود، ونافع بن عبدِ عَمرٍو، فأمَّا هبَّارٌ فأَسْلَمَ وحَسُنَ إسلامُهُ.
1. في الحديث: مشروعيّة الحكم بالشّيء اجتهادًا، ثمّ الرّجوع عنه.
2. وفيه: نسخ السّنّة بالسّنّة.
3. وفيه: مشروعيّة توديع المسافر لأكابر أهل بلده، وتوديع أصحابه له أيضًا.

٢٤- بابُ وُجُوبِ بيعةِ الإِمامِ، والسَّمعِ والطَّاعةِ ما لم يَأمرْ بمعصيةٍ


١٤٠٩. [ق] عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بمَعْصِيةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ». [خ:٢٩٥٥]
1. قال النووي: «وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم».

١٤١٠. وعن عبد الله -هو ابْن مَسعود- قال: لَقَدْ أَتَانِي اليَوْمَ رَجُلٌ فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا مُؤْدِيًا نَشِيطًا، يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي المَغَازِي، فعزمَ عَلَيْنَا فِي أَشْيَاءَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلَّا أَنَّا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَسَى أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ إِلَّا مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللهَ، وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ، وَأَوْشَكَ أَنْ لَا تَجِدُوهُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا كَالثَّغْبِ شُرِبَ صَفْوُهُ وَبَقِيَ كَدَرُهُ. [خ:٢٩٦٤]
1. قال النووي: «أن الرعية يأخذون صفو الأمور، فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلى الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال من وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذب عنهم، وإنصاف بعضهم من بعض، ثم متى وقع علقة، أو عتب في بعض ذلك توجه على الأمراء دون الناس».

١٤١١. وعن جُوَيْرِيَة، عن نافع قال: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فَمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ نَافِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ، عَلَى المَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ. [خ:٢٩٥٨]
١٤١٢. [ق] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنُ الحَرَّةِ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ *حَنْظَلَةَ**/ يُبَايِعُ النَّاسَ عَلَى المَوْتِ. فَقَالَ: لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.* [خ:٢٩٥٩]
١٤١٣. [ق] وعن سَلَمة-هو ابْن الأكْوع- قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ شجَرَةٍ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: «يَا ابْنَ الأَكْوَعِ أَلَا تُبَايِعُ؟» قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «وَأَيْضًا». فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ. [خ:٢٩٦٠]
١٤١٤. [ق] وعَنْ مُجَاشِعٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَالَ: «مَضَتِ الهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا». قُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: «عَلَى الإِسْلَامِ وَالجِهَادِ». [خ:٢٩٦٢]
1. قوله: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أبايعه على الهجرة فقال: إن الهجرة قد مضت لأهلها، ولكن على الإسلام والجهاد والخير) قال النووي: معناه: أن الهجرة الممدوحة الفاضلة التي لأصحابها المزية الظاهرة إنما كانت قبل الفتح، ولكن أبايعك على الإسلام والجهاد وسائر أفعال الخير، وهو من باب ذكر العام بعد الخاص ، فإن الخير أعم من الجهاد ، ومعناه: أبايعك على أن تفعل هذه الأمور.

الغريب: (مؤدِّيًا) أي: كاملَ الأداة، وهي السِّلاح. و(غَبَرَ): بقيَ، وهو مِن الأضداد. (الثَّغْبُ): المَوضع المطمئنُّ في الجبل يُستنقع فيه الماء. و(الصَّفْو): الصَّافي، و(الكَدر): المتغيِّر.

٢٥- بابُ الجَعَائلِ والحُمْلانِ في السَّبيلِ،والتَّزوُّدِ لِذلكَ، وقولِهِ تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا۟﴾ [البقرة:١٩٧]


• [خت] وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: الغَزْوَ. قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُعِينَكَ بِطَائِفَةٍ مِنْ مَالِي. قُلْتُ: أَوْسَعَ اللهُ عَلَيَّ. قَالَ: إِنَّ غِنَاكَ لَكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِي فِي هَذَا الوَجْهِ.
• [خت] وَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا المَالِ لِيُجَاهِدُوا ثُمَّ لَا يُجَاهِدُونَ، فَمَنْ فَعَلَ فَنَحْنُ أَحَقُّ بِمَالِهِ حَتَّى نَأْخُذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ.
• [خت] وَقَالَ طَاوُوسٌ وَمُجَاهِدٌ: إِذَا دُفِعَ لكَ شَيْءٌ تَخْرُجُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ، وَضَعْهُ عِنْدَ أَهْلِكَ.
١٤١٥. [ق] وعن زيدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أبيه قال: قَالَ عُمَرُ بن الخطَّابِ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ النَّبيَّ ﷺ: آشْتَرِيْهِ؟ فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ». [خ:٢٩٧٠]
1. نهي الإنسان عن شراء صدقته، لأنها خرجت لله، فلا ينبغي أن تتعلق بها النفس، وشراؤها دليل على تعلقه بها، ولئلا يحابيه البائع فيعود عليه شيء من صدقته.

١٤١٦. [ق] وعن سَلَمة بْن الأكوعِ قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ النَّاسِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: «مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟» فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَادِ فِي النَّاسِ يَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ». فَدَعَا/ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ». [خ:٢٩٨٢]
1. فيه: المشورة على الإمام بالمصلحة، وإن لم يتقدّم الاستشارة منه.
2. وفيه: المواساة في الطّعام، وجمعه عند قلّته.

١٤١٧. [ق] وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِئَةٍ نَحْمِلُ زَادَنَا عَلَى رِقَابِنَا، فَفَنِيَ زَادُنَا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا يَأْكُلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً -قَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، وَأَيْنَ كَانَتِ التَّمْرَةُ تَقَعُ مِنَ الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا- حَتَّى أَتَيْنَا البَحْرَ، فَإِذَا حُوتٌ قَذَفَهُ البَحْرُ، فَأَكَلْنَا مِنْها ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. [خ:٢٩٨٣]
(أمْلَقُوا): افْتَقروا.

١ قال عمر عن أم سُليط -رضي الله عنهما-: "كانت تَزْفِرُ لنا القِرب يوم أُحد"، ما معنى: "تَزْفِرُ لنا القِرب"؟

٥/٠