٥١- بابُ كَرامةِ الغَازِي المخلِصِ حيًّا ومَيِّتًا، وبركةِ مالِهِ


١٤٨٢. [ق] عَنْ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ أَعْرَابِيٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله». [خ:٣١٢٦]
١٤٨٣. وعَنْ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الجَمَلِ دَعَانِي، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ اليَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ، وَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ اليَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرِ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتُرَى دَيْنُنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ فَقَالَ: يَا بُنَيِّ بِعْ مَالَنَا، وَاّْقْضِ دَيْنِي. وَأَوْصى بِالثُّلُثِ، وَثُلُثِهِ لِبَنِيهِ -يَعْنِي بَنِي عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- يَقُولُ: ثُلُثُ الثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا فَضْلٌ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ اللهِ قَدْ وَازَى بَعْضَ بَنِي الزُّبَيْرِ خُبَيْبٌ وَعَبَّادٌ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ بَنِينَ وَتِسْعُ بَنَاتٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ،/ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ مَوْلَايَ. فقَالَ: واللهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَتِ مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَوَاللهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اّْقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ. فَيَقْضِيهِ، فَقُتِلَ الزُّبَيْرُ ﵀ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ مِنْهَا الغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالمَدِينَةِ، وَدَارًا بِالبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. وقَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا وَلَكِنَّهُ يَتلَف، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً وَلَا جِبَايَةَ خَرَاجٍ وَلَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، أَوْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. فقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ. قَالَ: فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، كَمْ عَلَى أَخِي مِنَ الدَّيْنِ؟ فَكَتَمَهُ وقَالَ: مِئَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللهِ مَا أُرَى أَمْوَالَكُمْ تَسَعُ لِهَذِهِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَفَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِئَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أُرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي. قَالَ: وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللهِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ حَقٌّ فَلْيُوَافِنَا بِالغَابَةِ. فَأَتَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ -وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُ مِئَةِ أَلْفٍ- فَقَالَ لِعَبْدِ اللهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فَإِنْ شِئْتُمْ جَعَلْتُمُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ إِنْ أَخَّرْتُمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا. قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَاهُنَا. قَالَ: فَبَاعَ مِنْهَا فَقَضَى دَيْنَهُ فَأَوْفَاهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، وَالمُنْذِرُ بْنُ زُبَيْرٍ، وَابْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قُوِّمَتِ الغَابَةُ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِئَةَ أَلْفٍ. قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. فقَالَ المُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ مِنْهَا سَهْمًا بِمِئَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِئَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِئَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ سَهْمٍ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِئَةِ أَلْفٍ. قَالَ: فَبَاعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ/ بِسِتِّ مِئَةِ أَلْفٍ، قال: فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اّْقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا. فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ بِالمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلْنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَى أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ، قَالَ: وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَرَفَعَ الثُّلُثَ، فَأَصَابَتْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِئَتَي أَلْفٍ، فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفًا وَمِئَةُ أَلْفٍ. [خ:٣١٢٩]
1. قوله: (وإني لا أراني إلا سأقتل اليوم مظلوما، وإن من أكبر همي لديني)، قال ابن حجر: «فيه ندب الوصية عند حضور أمر يخشى منه الفوت».
2. قال ابن حجر: «في الحديث: بركة العقار والأرض لما فيه من النفع العاجل والآجل بغير كثير تعب، ولا دخول في مكروه كاللغو الواقع في البيع والشراء».
3. قال ابن هبيرة: «في الحديث: ما يدل على غزارة دينه وثقته بالله عزوجل في أمره ولده بأن يستعين بمولاه الكريم في قضاء دينه».

٥٢- بابُ مَن أسلَمَ مِن الكفَّارِ بعدَ أنْ غَنِمَ المسلمونَ مالَه لم يُرَدَّ إليه مالُه إلَّا بِرِضَى مَن صارَ إليهِ


١٤٨٤. وعن عُرْوة أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ». وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ انْتَظَرَ آخرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَادٍّ لَهمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِخْوَانُكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاؤونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ لهمْ سَبْيَهُمْ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ». فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا، فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. [خ:٣١٣١-٣١٣٢]
1. فيه: عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسن سياسته للأمور.
2. وفيه: حب الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسارعتهم في مرضاته.
3. وفيه: مشروعية تعيين من ينوب عن جماعته وقومه؛ لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه، فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه.

٥٣- بابُ/ مَن خَصَّهُ النَّبيُّ ﷺ بالإِسهامِ معَ كونِهِ لم يَحْضُرِ الوَقْعةَ


١٤٨٥. عَنِ ابنِ عُمرَ قال: أَمَّا تَغَيُّب عُثْمَان عَنْ بَدْرٍ؛ فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ». [خ:٣١٣٠]
١٤٨٦. [ق] وعَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ بِاليَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ، أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ، وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ -إِمَّا قَالَ: فِي بِضْعٍ، وَإِمَّا قَالَ: فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي- فَرَكِبْنَا سَفِينَةً، فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، وَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَنَا هَا هُنَا، وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ ﷺ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا -أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا- وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ. [خ:٣١٣٦]

٥٤- بابٌ: السَّريةُ الخارجَةُ مِن الجَيشِ شُرَكاءُ معَه فيما غَنِمُوهُ، وللإمامِ أنْ يُنَفِّل السَّرِيةَ زيادةً على سَهْمِهم


١٤٨٧. [ق] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرًا، فَكَانَتْ سُهْمانُهم اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا. [خ:٣١٣٤]
١٤٨٨. [ق] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً، سِوَى قِسْمِ عَامَّةِ الجَيْشِ. [خ:٣١٣٥]

٥٥- بابٌ: يُعْطِي الإمامُ للقَرابةِ ولغيرِهم مِن الخُمُسِ بالاجتهادِ


١٤٨٩. [ق] عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ أَعْطَيْتَ بَنِي المُطَّلِبِ وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ/ ﷺ: «إِنَّا بَنُو المُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ».[خ:٣١٤٠]
1. في الحديث: أن الخمس من الغنائم كان للنبي صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه كيفما شاء، ويعطي منه ذوي القربي، ويمنع من شاء.
2. وفيه: مراعاة الأهل في العطاء.
3. وفيه: إثبات سهم ذي القربى؛ لأن عثمان وجبيرا رضي الله عنهما إنما طالبا بالعطاء لقرابتهما.

• [خت] قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِم النَّبِيُّ ﷺ لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَلَا لِبَنِي نَوْفَلٍ. (خ:٤٢٢٩)
• [خت] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وعَبْدُ شَمْسٍ وَهَاشِمٌ وَالمُطَّلِبُ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ، وَكَانَ نَوْفَلٌ أَخَاهُمْ لِأَبِيهِمْ.
١٤٩٠. [ق] وعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ، قَالَ: وَأَصَابَ عُمَرُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ -في رواية [خت:٣١٤٤]: مِن الخُمس- فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ، قَالَ: فَمَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ، فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ. قَالَ عُمَرُ: يَا عَبْدَ اللهِ، انْظُرْ مَا هَذَا؟ قال: فَقَالَ: مَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّبْيِ. قَالَ: اذْهَبْ فَأَرْسِلِ الجَارِيَتَيْنِ. قَالَ نَافِعٌ: وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الجِعْرَانَةِ، وَلَوِ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللهِ. [خ:٣١٤٤]
١٤٩١. وعن عَمرِو بنِ تَغْلِبَ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ، كَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ظَلَعَهُمْ وَجَزَعَهُمْ، وَأَكِلُ قومًا إِلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ». فَقَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. [خ:٣١٤٥]
1. فيه أن المال والمتاع ليس مقياس كرامة الإنسان ومكانته.
2. وفيه سرور المؤمن وفرحه بما يبدو منه من خير.
3. وفيه توضيح الأعذار لإزالة ما في النفوس، وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وطيب عشرته لأصحابه.

١٤٩٢. [ق] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشًا أَتَأَلَّفُهُمْ، لِأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ». [خ:٣١٤٦]
١٤٩٣. [ق] وعنه أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ، فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ المِئَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِه، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ؟! قَالَ أَنَسٌ: فَحُدِّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا كَانَ حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟» فقَالَ لَهُ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْينا يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُنَاسٌ مِنَّا حَدِيثَةٌ أَسْنَانُهُمْ فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَتْرُكُ الأَنْصَارَ، وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي أُعْطِي/ رِجَالًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُون إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمَّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ». قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ رَضِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً شَدِيدَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ عَلَى الحَوْضِ». قَالَ أَنَسٌ: فَلَمْ نَصْبِرْ. [خ:٣١٤٧]
1. قوله: (ستجدون بعدي أثرة)، قال ابن هبيرة: «أي استئثار عليكم، وقد دل هذا على أن الصبر على الأثرة من أبواب البر العظام».
2. قوله: (فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) قال القاري: أي فحينئذ يحصل جبر خاطركم المتعطش إلى لقائي بسقيكم شربة لا تظمؤون بعدها أبدا.
3. قال ابن القيم: «تأمل سر التقدير، حيث قدر الحكيم الخبير - سبحانه – استئثار الناس على الأنصار بالدنيا - وهم أهل الإيثار - ليجازيهم على إيثارهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية في جنات عدن على الناس، فيظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته، ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم».
4. فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه الخير يراد بك.
5. قال ابن حجر: «في الحديث: إقامة الحجة على الخصم، وافحامه بالحق عند الحاجة إليه».
6. قال ابن حجر: «في الحديث: أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة».
7. قال ابن حجر: «وقد رتب ﷺ ما من الله عليهم على يده من النعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام كما قال الله تعالى:{وَأَلَّفَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا مَّاۤ أَلَّفۡتَ بَیۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَیۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ} [سورة الأنفال:63].
8. فيه بيان حسن أدب الأنصار رضي الله عنهم في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم، لا شيوخهم وكهولهم.
9. في الحديث: بيان أن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح وجه الشبهة؛ ليرجع إلى الحق.
10. فيه جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة.
11. قال ابن حجر: «في الحديث: أن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك»
.
12. قال ابن حجر: «في الحديث: تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة».
13. وفيه: أن من فاز بالنبي صلى الله عليه وسلم واتباعه، فقد فاز بكل شيء.
14. وفيه: علم من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم؛ فإنه إخبار بما سيقع، وقد وقع على وفق ما أخبر به من الاستئثار على الأنصار بالدنيا، فلم ينالوا رتبة من رتب ولاياتها.

١٤٩٤. [ق] وعنه قال: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. [خ:٣١٤٩]
1. قوله: (غليظ الحاشية) يدل على إيثار النبي صلى الله عليه وسلم من الدنيا والتبلغ منها بما أمكن من اللباس، والمطعم، وغيره، وأنه لم يكن بالذي يترفه في الدنيا، ولا يتوسع فيها.
2. في الحديث: استئلاف من كان سيء الأخلاق بالعطية، والكلام الطيب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع مخرمة، حيث كان في خلقه شدة.

١٤٩٥. وعن جُبَيْر بن مُطْعِمٍ أنَّه بَيْنَمَا هُوَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ، وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ، عَلِقَتْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونَنِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا». [خ:٣١٤٨]
1. قال النووي: «فيه مداراة أهل الجهالة والقسوة وتألفهم إذا كان فيهم مصلحة، وجواز دفع المال إليهم لهذه المصلحة».
2. وفيه: مشروعية تعريف الإنسان نفسه بالأوصاف الحميدة لمن لا يعرفه؛ ليعتمد عليه.
3. فيه بيان جواز الإعطاء لحفظ العرض.
4. وفيه ذم البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا ينبغي أن تكون فيه خصلة منها.

٥٦- بابُ إعطاءِ المؤلَّفةِ قُلوبُهم


١٤٩٦. [ق] عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ ﷺ أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِئَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا -أو: مَا أُرِيدَ فيها وَجْهُ اللهِ- فَقُلْتُ: وَاللهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «ومَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ رَحِمَ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ». [خ:٣١٥٠]
1. فيه جواز إخبار الإمام، وأهل الفضل بما يقال فيهم، مما لا يليق بهم؛ ليحذروا القائل.
2. قوله: (يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) تسلية لنفسه صلى الله عليه وسلم وتحريضا لأمته على الصبر على الأذى.
3. وفيه بيان أن أهل الفضل قد يغضبهم ما يقال فيهم، مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم.
4. وفيه: التأسي بمن مضى من النظراء الصالحين.

٥٧- بابُ أخْذِ الجِزْيةِ مِن أهلِ الكِتَابِ والمَجُوسِ، والمُصَالحةِ، وكمِ الجِزْيةُ؟ وقولِهِ تعالىَ: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ﴾ الآية/ [التوبة: ٢٩]


١٤٩٧. وعن بَجَالَةَ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الجِزْيَةَ مِنَ المَجُوسِ، حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. [خ:٣١٥٦- ٣١٥٧]
١٤٩٨. [ق] وعن عَمرِو بنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيِّ -وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ البَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ العَلَاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى بِهِمُ الفَجْرَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ، وَقَالَ: «أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ لَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ». [خ:٣١٥٨]
1. قوله: (فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقت صلاة الصبح)، قال ابن حجر: «يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات في التجميع إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم، إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي ﷺ أنهم اجتمعوا لأمر».
2. قوله: (فتعرضوا له)، قال ابن حجر: «فيه أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه».
3. قوله: (فأبشروا وأملوا ما يسركم)، قال ابن حجر: «فيه البشرى من الإمام لأتباعه وتوسيع أملهم منه».
4. قوله: (فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم)، قال ابن بطال: «فيه أن زهرة الدنيا ينبغي لمن فتحت عليه أن يحذر من سوء عاقبتها وشر فتنتها، فلا يطمئن إلى زخرفها ولا ينافس غيره فيها».
5. التنافس في الدنيا قد يجر الإنسان إلى فساد في الدين؛ لأن المال مرغوب فيه فترتاح النفس لطلبه فتمنع منه فتقع العداوة المقتضية للمقاتلة المفضية إلى الهلاك.

١٤٩٩. وَعن جُبَيْر بن حَيَّة قالَ: بَعَثَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، فَأَسْلَمَ الهُرْمُزَانُ، فَقَالَ: إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنَ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ المُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَرِجْلَانِ، فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الجَنَاحَيْنِ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ، فَإِنْ كُسِرَ الجَنَاحُ الآخَرُ نَهَضَتِ الرِّجْلَانِ وَالرَّأْسُ، فَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتِ الرِّجْلَانِ وَالجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ، فَالرَّأْسُ كِسْرَى، وَالجَنَاحُ قَيْصَرُ، وَالجَنَاحُ الآخَرُ فَارِسُ، فَمُرِ المُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى. قَالَ جُبَيْرٌ: فَنَدَبَنَا عُمَرُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ العَدُوِّ، خَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَامَ تَرْجُمَانُهُ، فَقَالَ: لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ. فَقَالَ المُغِيرَةُ: سَلْ عَــمَّ شِئْتَ، فقَالَ: مَا أَنْتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ، كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الجُوعِ، وَنَلْبَسُ الوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الحَجَرَ والشَّجَرَ،/ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأرضِ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا، نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، أَوْ تُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا، أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ. فَقَالَ النُّعْمَانُ: رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يُنَدِّمْكَ، وَلَمْ يُخْزِكَ، وَلَكِنِّي شَهِدْتُ القِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ، وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ. [خ:٣١٥٩-٣١٦٠]
1. قوله: (إني مستشيرك في مغازي هذه)، قال ابن حجر: «فيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه».
2. قوله: (واستعمل علينا النعمان بن مقرن)، قال ابن حجر: ».فيه أن المفضول قد يكون أميرا على الأفضل؛ لأن الزبير بن العوام كان في جيش عليه فيه النعمان بن مقرن والزبير أفضل منه اتفاقا».

• [خت] وعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّأْمِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ اليَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اليَسَارِ.

٥٨- بابُ إثْمِ مَن قتَلَ مُعَاهَـِدًا، والوَصَاةِ بأهلِ الذِّمَّةِ، ولا يُقرُّ مِنهم أحدٌ بجزيرةِ العربِ


١٥٠٠. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا». [خ:٣١٦٦]
١٥٠١. وعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ، أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ دُوْنَهُم، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ. [خ:٣٠٥٢]
١٥٠٢. وعن جويرية بن قُدَامَةَ التَّمِيمِيِّ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ، وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ. [خ:٣١٦٢]
• [خت] وقال عُمَرُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ: «أقرُّكُم ما أقرَّكُم اللهُ بِهِ». (خ:٢٧٣٠)
١٥٠٣. [ق] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ». فَخَرَجْنَا حَتَّى إذا جِئْنَا بَيْتَ المِدْرَاسِ فَقَالَ: «أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ يَجِدْ مِنكم بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ». [خ:٣١٦٧]
١٥٠٤. [ق] وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ -وسمعَه سَعيد بن جبير يقول-: يَوْمُ الخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الحَصَى، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ ومَا يَوْمُ الخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ/ وَجَعُهُ فَقَالَ: «ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا». فَتَنَازَعُوا، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ، فَقَالُوا: مَا لَهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ؟ فَقَالَ: «ذَرُونِي، الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ». فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ فقَالَ: «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ». وَالثَّالِثَةُ إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا، وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. [خ:٣١٦٨]
الغَريب: (لم يَرَحْ): لم يشمَّ، يُقال: رَاحَ الطِّيب يَرَاحُهُ إذا وجَد رِيْحَهُ. و(المُعاهَد) بفتح الهاء: اسم مفعول، وهو الَّذي عُوهد بعهد؛ أي: صُولحَ. و(الذِّمة): العهدُ. و(أُجْلِيكُم): أخرجُكم، يُقال: جَلا القوم مِن منازلهم: خَرجوا، وأَجْلَاهُمُ الإمام: أخرجهم. و(الكَتِف): واحد أكتاف الحيوان، وقد يعبَّر به عَنِ اللَّوح؛ لأنَّهم كانوا يكتبون في الأكتاف. وقوله: (أَهجر؟) بهمزة الاسْتفهام صوابه، وهو اسْتفهام على جهة الإنكار على مَن ظنَّه بالنَّبيِّ ﷺ في ذلك الوقت لشدَّة المرض عليه. وهذا الكتاب الَّذي أراد النَّبيُّ ﷺ كتابتَه إنَّما هو-والله أعلم- في النَّص على خلافة أبي بكر؛ لكنَّهم لمَّا تنازعوا واشتدَّ مرضه وألمه عَدَلَ عن ذلك مُعَوِّلًا على ما أَصَّلَ في ذلك مِن اسْتخلافه إيَّاه على الصَّلاة، ومِن قوله: «يأبى الله والمسلمون إلَّا أبا بكر» والله أعلم. و(جَزيرة العَرَبِ): مِن أقصى عَدَنِ أَبْيَنَ إلى رِيفِ العراق في الطول، وأما العرض فمِن جِدَّة ومَا والاها مِن ساحل البحر إلى أطْراف الشَّام، قاله الأصْمَعيُّ، وسُمِّيت جزيرة لأنَّها مَجْزورة بالبحار: بحر الحَبَش، وبحر فارس، ودِجلة، والفُرات، قاله الخليل.
1. قال ابن تيمية: «لو كان ما يكتبه في الكتاب مما يجب بيانه وكتابته لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبينه ويكتبه، ولا يلتفت إلى قول أحد، فعلم أنه لما ترك الكتاب لم يكن الكتاب واجبا، ولا كان فيه من الدين ما تجب كتابته حينئذ، إذ لو وجب لفعله».

٥٩- بابُ ما يُحْذَرُ مِن الغَدْرِ، وإذا غَدَرَ المُشركُ هل يُعْفى عنه؟


١٥٠٥. عن عوف بن مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: «اّْعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ المَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ العَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا». [خ:٣١٧٦]
1. قوله: (فيغدرون فيأتونكم)، قال المهلب: «فيه أن الغدر من أشراط الساعة».
2. قال ابن حجر: «في الحديث: إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه».

١٥٠٦. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا/ فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اّْجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ». فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ. فقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ أَبُوكُمْ؟» فقَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ». قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟» فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟» قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اخْسَؤوا فِيهَا، وَاللهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا». ثُمَّ قَالَ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ. قَالَ: «فهَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: «أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ». [خ:٣١٦٩]
1. قال النووي: «فيه بيان عصمته صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم كما قال الله:{ وَٱللَّهُ یَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ} [سورة المائدة:67]. وهي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في سلامته من السم المهلك لغيره، وفي إعلام الله تعالى له بأنها مسمومة، وكلام عضو منه له، فقد جاء في غير مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذراع تخبرني أنها مسمومة) وهذه المرأة اليهودية الفاعلة للسم اسمها زينب بنت الحارث أخت مرحب اليهودي، روينا تسميتها هذه في مغازي موسى بن عقبة، ودلائل النبوة للبيهقي.

• [خت] وقال يونس: عن ابْن شهاب سُئل: أَعَلى مَن سَحَرَ مِن أهل العهدِ قَتْلٌ؟ قال: بلغنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد صُنع له ذلكَ، فلم يَقْتلْ مَن صنعَه، وكان مِن أهل الكِتَاب.
• [خت] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتَبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَيَشُدُّ اللهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. [خت:٣١٨٠]

٦٠- بابُ إِثْمِ مَن عاهَدَ ثمَّ غدَرَ، وذمَّةِ المسلمينَ واحدةٌ، وأمانِ المرأةِ، وقولِهِ تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٥٦]


• [ق] وقد تقدَّمَ قولُ النَّبيِّ ﷺ في ذمِّ المنافقِ وذِكر خصالِهِ: «إذا عَاهَدَ غَدَر»
.
١٥٠٧. [ق] عن إبراهيم التَّيْمِيِّ، عَنْ أبيه، عَن عليٍّ ﵁ قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا القُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ -وقد تقدَّم [ر:٤٧] في الحجِّ، وفيه مِن الزِّيادة ها هنا: - «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُم، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ والى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ/ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ».[خ:٣١٧٩]
١٥٠٨. [ق] وعَنْ أَبِي وائلٍ قالَ: شَهِدْتُ صِفِّينَ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ فَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا. [خ:٣١٨١]
١٥٠٩. [ق] وفي رواية: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ رَأَيْنا قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى الحَقِّ وَهُمْ عَلَى باطلٍ؟ فَقَالَ: «بَلَى». فَقَالَ: أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَى». قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟! أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ الخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا». فَنَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَفَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». [خ:٣١٨٢]
١٥١٠. [ق] وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُنْصَبُ -وفي رِواية: يُرَى يَوْمَ القِيَامَةِ- يُعْرَفُ بِهِ». [خ:٣١٨٦-٣١٨٧]
• وقد تقدَّم مِن حديث أمِّ هانئٍ قوله ﷺ: «قد أَجَرْنَا مَن أَجَرْتِ». [ر:١٥٧]
1. قال النووي: «فيه بيان غلظ تحريم الغدر لاسيما من صاحب الولاية العامة لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل لأنه غير مضطر إلى الغدر لقدرته على الوفاء».
2. قال ابن بطال: «في الحديث: أن الدعاء بالآباء أشد في التعريف وأبلغ في التمييز».
3. قال ابن أبي جمرة: «في الحديث: أن لصاحب كل ذنب من الذنوب التي يريد الله إظهارها علامة يعرف بها صاحبها، ويؤيده قوله تعالى:{یُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِیمَـٰهُمۡ فَیُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَ ٰ⁠صِی وَٱلۡأَقۡدَامِ } [سورة الرحمن:41].
4. قال ابن أبي جمرة: «والحكمة في نصب اللواء أن العقوبة تقع غالبا بضد الذنب، فلما كان الغدر من الأمور الخفية ناسب أن تكون عقوبته بالشهرة، ونصب اللواء أشهر الأشياء عند العرب»
.
5. وقد تقدم من حديث أم هانئ قوله صلى الله عليه وسلم: «قد أجرنا من أجرت». [ر:157
]
الغَريب: (أَخْفَرْتُ الرَّجلَ): نَقَضْتُ عهدَه. و(خَفَرْتُه): أجَرْتُه. (الصَّرْف): الحيلةُ. و(العَدْل): الفِدْيَة، وقيل: الصَّرف النَّافلة. والعَدل الفَريضة. وقوله: (اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ أو أَنْفُسَكُمْ): أمرٌ بالتَّثبُّت والتَّوقُّف. و(العَاتِق): ما بين المَنْكِب والعُنق، وهو الكَاهل. و(يُفْظِعُنَا) أي: نجدُه فظيعًا؛ أي: شديد المَرارة. و(أَسْهَلْنَ) أي: مشينَ بنا إلى أمرٍ سهل. و(الدَّنِيَّة): الحالة الخَسِيسة.

٦١- بابٌ: يُطاعُ الأمَراءُ وتُؤدَّى حُقُوقُهم، ويُصبَرُ على جَفْوتِهم وأَذاهُم


١٥١١. [ق] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «تُؤَدُّونَ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ». [خ:٣٦٠٣]
١٥١٢. [ق] وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ، فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ السُّلْطَانِ شِبْرًا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً». [خ:٧٠٥٣]
1. قال النووي: «فيه الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالما عسوفا، فيعطى حقه من الطاعة، ولا يخرج عليه ولا يخلع؛ بل يتضرع إلى الله تعالى في كشف أذاه، ودفع شره وإصلاحه».

• [ق] وفي رواية: «مَنْ فَارَقَ الجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ،/ إِلَّا مَاتَ مُوَيْتَةً جَاهِلِيَّةً». [خ:٧٠٥٤]
١٥١٣. [ق] وعَن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ قالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ ﷺ فَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَيُسْرِنَا وَعُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. [خ:٧٠٥٦]
1. قال النووي: «معنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين».
2. قال النووي: «قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه».

١٥١٤. [ق] وعَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَعْمَلْتَ فُلَانًا وَلَمْ تَسْتَعْمِلْنِي؟ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي». [خ:٧٠٥٧]
1. في الحديث: كراهة سؤال الإمارة والحرص عليها، ومنع الحريص منها.
2. قال النووي: «هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية».

١ تغيَّب عن بدر، وقال له النبي ﷺ يومها: «إن لك أجر رجلٍ ممن شهِد بدرًا وسهمه»، فمن هو؟

٥/٠