(٤١) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ


١- بابٌ: في قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِی یَبۡدَؤُا۟ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ یُعِیدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَیۡهِ﴾ [الروم:٢٧]


• [خت] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ وَالحَسَنُ: كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، كَـلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيِّتٍ وَمَيّتٍ.
١٥١٥. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ». قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا. مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ اليَمَنِ، فَقَالَ: «اقْبَلُوا البُشْرَى يَا أَهْلَ اليَمَنِ، إنْ لَمْ تَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ». قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالُوا: جِئْنَا لِنَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ». فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا هِيَ يَتَقَطَّعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. [خ:٣١٩١]
1. قوله: (جِئْنَا لِنَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ؟)، قال ابن حجر: «فيه جواز السؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده».
2. قوله: (فَوَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا)، قال ابن حجر: «فيه ما كان عليه من الحرص على تحصيل العلم، وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظنّ عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصّة نافع بن زيد الحميري فقوي في ظني أنه لم يفته شيء من هذه القصة بخصوصها لخلوّ قصة نافع بن زيد عن قدر زائد على حديث عمران، إلا أن في آخره بعد قوله وما فيهنّ (واستوى على عرشه عز وجل)».
3. وفيه: تقديم طلب العلم على طلب المال.

• [خت] وعن عُمر بن الخطَّاب قال: قَامَ فِينَا النَّبِيُّ ﷺ مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الخَلْقِ، حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ. [خت: ٣١٩٢]
١٥١٦. [ق] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَمَّا قَضَى اللهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي». [خ:٣١٩٤]

٢- بابٌ: في قولِهِ تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ سَبۡعَ سَمَـٰوَ ٰ⁠تࣲ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢]


١٥١٧. [ق] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ- فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ،/ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اّْجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [خ:٣١٩٥]
١٥١٨. ومِن حديثِ ابْنِ عُمرَ: «مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». [خ:٣١٩٦]
١٥١٩. [ق] ومِن حَديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وخَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا؟! أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [خ:٣١٩٨]
1. قال النووي: «وأما التطويق المذكور في الحديث فقالوا: يحتمل أن معناه: أنه يحمل مثله من سبع أرضين، ويكلف إطاقة ذلك، ويحتمل أن يكون يجعل له كالطوق في عنقه كما قال سبحانه وتعالى: { سَیُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا۟ بِهِۦ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِۗ} [سورة آل عمران:180]. وقيل: معناه: أنه يطوق إثم ذلك ويلزمه كلزوم الطوق بعنقه، وعلى تقدير التطويق في عنقه يطول الله تعالى عنقه كما جاء في غلظ جلد الكافر وعظم ضرسه».

٣- بابٌ: في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدۡ زَیَّنَّا ٱلسَّمَاۤءَ ٱلدُّنۡیَا بِمَصَـٰبِیحَ﴾ [الملك:٥]، وقولِهِ: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِی لِمُسۡتَقَرࣲّ لَّهَا﴾ [يس:٣٨]


• [خت] قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ الله هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، ورجومًا للشَّياطين، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدىَ بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وتكلَّف مَا لَا علم له به.
قلت: وما أحسن قولَ أبي الفَرَج بن هندو:
تَعَلُّـمُ أحكـامِ النُّجـومِ إِضـاعةٌ لأوقـاتِ عُمْـرٍ تنقـضي فتفوتُ
فما يعلَمُ الإنْسانُ مَـا كَسْبُه غـدا ولا يعـلمُ الإنسـانُ حين يمـوتُ
١٥٢٠. [ق] وعن إبْراهيم التَّيميِّ، عَنْ أبيه، عَنْ أبي ذرٍّ قال: قال النَّبيُّ ﷺ لأبِي ذرٍّ حِين غربتِ الشَّمسُ: «تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلَا يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِی لِمُسۡتَقَرࣲّ لَّهَا﴾ [يس:٣٨]». [خ:٣١٩٩]
١٥٢١. وفي رواية: عَن أبي ذرٍّ قال: سألتُ النَّبيَّ ﷺ عن قوله: ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِی لِمُسۡتَقَرࣲّ لَّهَاۚ ذَ ٰ⁠لِكَ تَقۡدِیرُ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡعَلِیمِ ۝٣٨ وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِیمِ ۝٣٩﴾ [يس:٣٨] قال: «مستقرُّها تحتَ العرش». [خ:٤٨٠٣]
الغَريب: (السُّجودُ): الخضوع والتَّذلُّل. و(اسْتئذان الشَّمسِ): إنْ كانت ممَّا يَعْقِل فحقيقة، وإلَّا فمِن الموكَّلِين بها، أو يكون لسان حالٍ. و(لِمُسْتَقَرِّها): أي: إلى مُستقرها، كما يُقال: هو يَجْرِي لغايتِهِ، وإلى غايته،/ وقد بيَّنه النَّبيُّ ﷺ، ولولاه لأمكن أن يُقال: مستقرُّها أقصى منازلها في الغُرُوب، أو يُقال: هو مُنتهاها عند انْقضاء الدُّنيا.

٤- بابُ خَلْقِ الملائكةِ والشَّياطينِ، وأنَّ الجانَّ خُلِقُوا قبلَ الإنْسانِ


قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا۟ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ ٱلَّذِینَ هُمۡ عِبَـٰدُ ٱلرَّحۡمَـٰنِ إِنَـٰثًاۚ أَشَهِدُوا۟ خَلۡقَهُمۡ﴾ [الزخرف:١٩]، وقال: ﴿أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةَ إِنَـٰثࣰا وَهُمۡ شَـٰهِدُونَ﴾ [الصافات:١٥٠]، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰلࣲ كَٱلۡفَخَّارِ ۝١٤ وَخَلَقَ ٱلۡجَاۤنَّ مِن مَّارِجࣲ مِّن نَّارࣲ ۝١٥﴾ [الرحمن:١٤-١٥]، وقال تَعالى: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن صَلۡصَـٰلࣲ مِّنۡ حَمَإࣲ مَّسۡنُونࣲ ۝٢٦ وَٱلۡجَاۤنَّ خَلَقۡنَـٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ۝٢٧﴾ [الحجر: ٢٦- ٢٧]، وَقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَ ٰ⁠تِ ٱلشَّیَـٰطِینِ ۝٩٧ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن یَحۡضُرُونِ ۝٩٨﴾ [المؤمنون:٩٧- ٩٨].
• [خت] عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المَلَائِكَةُ تَحَدَّثُ فِي العَنَانِ -وَالعَنَانُ: الغَمَامُ- بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الكَلِمَةَ، فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ القَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِئَةَ كَذِبَةٍ». (خ:٣٢١٠)
١٥٢٢. [ق] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِجَابِ». [خ:٣٢٨٦]
1. في الحديث دلالةٌ واضحةٌ على مبالغة إبليس وجنوده في إظهارهم العداوة لبني آدم؛ وقد بلغ من ذلك أنه إذا رأى الطفل حين ولادته على ما فيه من الضعف والوهن، فإنه يبادر إلى نخسه وطعنه حتى يرفع الطفل صوته بالصراخ، فأراد رسول الله ﷺ أن يعلمنا بهذه العداوة؛ لنكون على حذر من نزغاته ووساوسه.
2. دلّ الحديث على فضيلة وخصيصة ظاهرة لعيسى ابن مريم وأمه -عليهما السلام- حيث عصمهما الله تعالى من تلك الطعنة؛ حيث نصّ الحديث على أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصيّة بهما.

٥- بابٌ: في صِفةِ الجنَّةِ، وأنَّها قد خُلِقَتْ، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوۤا۟ إِلَىٰ مَغۡفِرَةࣲ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِینَ﴾ [آل عمران:١٣٣]


١٥٢٣. [ق] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ الله ﷺ: «قَالَ اللهُ﵎: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، واقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسࣱ مَّاۤ أُخۡفِیَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡیُنࣲ﴾ [السجدة:١٧]». [خ:٣٢٤٤]
١٥٢٤. [ق] وعنه أنَّه قَالَ: [قَالَ رَسولُ الله ﷺ:] «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ على أَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا،/ لَا يَسْقَمُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ الأَلُوَّةُ». [خ:٣٢٤٦]
1. قوله: (مَجَامِرِهِمْ الأَلُوَّةُ) قال ملا علي قاري: «وهذا كله من اللذات المتوالية، والشهوات المتعالية، وإلا فلا تلبد لشعورهم، ولا وسخ، ولا عفونة لأبدانهم وثيابهم، بل ريحهم أطيب من المسك، فلا حاجة لهم إلى التمشيط والتبخر إلا لزيادة الزينة، والتلذذ بأنواع النعمة الحسية كما قال: (ورشحهم) أي عرقهم رائحة (المسك)».

١٥٢٥. [ق] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا -أَوْ سَبْعُ مِئَةِ أَلْفٍ- لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ». [خ:٣٢٤٧]
١٥٢٦. [ق] وعَنْ أبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ، طُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلَاثُونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِ أَهْلٌ لَا يَرَاهُمُ الآخَرُونَ». [خ:٣٢٤٣]
١٥٢٧. وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». [خ:٣٢٥٠]
١٥٢٨. [ق] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً، يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ سنة، وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَظِلࣲّ مَّمۡدُودࣲ﴾ [الواقعة:٣٠] وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ». [خ:٣٢٥٢- ٣٢٥٣]
١٥٢٩. [ق] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أَوِ المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قَالَ: «بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ». [خ:٣٢٥٦]
الغَريب: (عَرْضُها): أي: سَعَتُها، والكَلام إغياء؛ إذْ لم يُشاهد أكْبر مِنها. و(أُعِدَّتْ): خُلقتْ وهُيِّئتْ. و(المتَّقون): المؤمنون. و(قرَّة العَين): ما تُسرُّ بالنَّظر إليه. و(الأَلُوَّة): العود الهِندي، يُقال بضمِّ الهمزة وفتحها. و(الدُّرِّيُّ): الشَّديد البياض في صفاء، ويُقال بضمِّ الدَّال وكسرها، وقُرِئ بهما. و(الغَابِر): بالباء بواحدة مِن تحتها، وهو الباقي، وغَبَرَ مِن الأضداد.

٦- بابٌ: في صِفَة النَّار، وأنَّها قد خُلقت قال الله تعالى: وَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِیۤ أُعِدَّتۡ لِلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [آل عمران:١٣١] وقال: ﴿ٱلنَّارُ یُعۡرَضُونَ عَلَیۡهَا غُدُوࣰّا وَعَشِیࣰّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].


• وقد تقدَّم قوله ﷺ: «اشتكتِ النَّار إلى ربِّها، فأذنَ لها بنَفَسَيْنِ في الأوقات». [خ:٣٢٦٠]
١٥٣٠. [ق] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:/ «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْها بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا». [خ:٣٢٦٥]
١٥٣١. [ق] وعَنْ أُسامةَ -هو ابْن زيد- قال: سمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: يا فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ المُنْكَرِ؟! قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ». [خ:٣٢٦٧]
الغريب: (فَتَنْدَلِق): تُزْلَق وتخرجُ مِن بطنِهِ. و(الأَقْتابُ): الأمْعاءُ.
1. فيه تشديد العقوبة على من يخالف قوله عمله؛ لعصيانه مع العلم المقتضي للخشية والمباعدة عن المخالفة.
2. فيه أن الناس يوم القيامة يعرف بعضهم بعضًا، ويصارح بعضهم بعضا، بعد كشف الستر وظهور الغيب.
3. وفيه وعيد شديد لمن خالف قوله فعله، وأن العذاب يشدد على العالم إذا عصى أعظم من غيره، كما يضاعف له الأجر إذا عمل بعلمه، ولكن لا يسقط عن العاصي فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عزمه على الامتثال، والأول المراد به من ليس لديه عزم على ترك المعاصي.

٧- بابُ خَلْقِ آدَمَ وذرِّيتِهِ، وقولِهِ تعالىَ: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةࣲ مِّن طِینࣲ ۝١٢ ثُمَّ جَعَلۡنَـٰهُ نُطۡفَةࣰ فِی قَرَارࣲ مَّكِینࣲ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢-١٣]


١٥٣٢. [ق] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ قَالَ: اّْذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ. فَزَادُوا: وَرَحْمَةُ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ». [خ:٣٣٢٦]
1. قال النووي: فيه: أن الوارد على جلوس يسلم عليهم، وأن الأفضل أن يقول: السلام عليكم بالألف واللام، ولو قال: سلامٌ عليكم كفاه، وأن رد السلام يستحب أن يكون زيادة على الابتداء، وأنه يجوز في الرد أن يقول: السلام عليكم، ولا يشترط أن يقول: وعليكم السلام.

١٥٣٣. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ مَقْدَمُ رَسُولِ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ الشَّبَهُ إِلَى أَبِيهِ؟ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَنْزِعُ الولدُ إِلَى أَخْوَالِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَبَّرَنِي بِهِنَّ آنِفًا جِبْرِيلُ». قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: ذَاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلَائِكَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الوَلَدِ: فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَشِيَ المَرْأَةَ فَسَبَقَهَا مَاؤُهُ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ، وَإِذَا سَبَقتْ كَانَ الشَّبَهُ لَهَا». قَالَ: أَشْهَدُ أنْ لَا إِله إلَّا الله وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اليَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، إِنْ عَلِمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ/ تَسْأَلَهُمْ بَهَتُونِي عِنْدَكَ؟ فَجَاءَتِ اليَهُودُ وَدَخَلَ عَبْدُ اللهِ البَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّ رَجُلٍ مِنْكُم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ؟» قَالُوا: أَعْلَمُنَا، وَابْنُ أَعْلَمِنَا، وَأَخْيَرُنَا، وَابْنُ أَخْيَرِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ؟» قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا. وَوَقَعُوا فِيهِ. [خ:٣٣٢٩]
١٥٣٤. [ق] وعَنْ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ قالَ: أخَبرنا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكًا بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وَأَجَلُهُ، وَرِزْقُهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ». [خ:٣٣٣٢]
1. قال ابن حجر الهيتمي: هو حديث عظيم جليل، يتعلق بمبدأ الخلق ونهايته، وأحكام القدر في المبدأ والمعاد.
2. قوله: (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ)، قال النووي: «والمراد بهذا الحديث أن هذا قد يقع في نادر من الناس، لا أنه غالب فيهم، ثم أنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة، وأما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور، ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى: {إن رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي} ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلد في النار، والعاصي الذي مات موحدا لا يخلد فيها».
3. قال النووي: «وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر، وأن التوبة تهدم الذنوب قبلها، وأن من مات على شيء حكم له به من خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر في المشيئة».
4. وفيه أن الاعتبار بالخاتمة، قال ابن أبي جمرة: هذه التي قطعت أعناق الرجال، مع ما هم فيه من حُسن الحال؛ لأنهم لا يَدرون بماذا يُختم لهم».
5. وفيه الحث على الاستعاذة بالله تعالى من سوء الخاتمة.
6. وفيه ألا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال، ومن ثَمَّ شُرِع الدعاء بالثبات على الدِّين، وبحسن الخاتمة.

١٥٣٥. [ق] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا». [خ:٣٣٣٠]
1. قال السعدي: «أما بنو إسرائيل؛ فقيل لهم: لا تدخروا من اللحم الذي رزقتموه في التيه، فادّخروه من الهلع والحرص الشديد، وضعف الثقة بالله، وكان الناس قبل ذلك يأكلون اللحم طرياً ولا يدخرونه، فلما حصل ادخاره من بني إسرائيل؛ كانوا أول من سنَّ للناس هذا الأمر، وكان الأولى للناس أن يأكلوا اللحم وهو طري، وما فضل عن أكلهم أهدوه أو تصدقوا به، ولا يتركوه يخنز.
ولكن لما وقع بنو إسرائيل في ادخاره؛ وقع الناس فيه بعدهم، فحرموا تلك المواساة النافعة»
.
2. وفي الحديث إشارة إلى تسلية الرجال فيما يقع لهم من نسائهم، بما وقع من أمهن الكبرى، وأن ذلك من طبعهن، فلا يُفْرِط في لوم من وقع منها شيء، من غير قصد إليه، أو على سبيل الندور، وينبغي لهن ألا يتمسكن بهذا في الاسترسال في هذا النوع، بل يضبطن أنفسهن ويجاهدن هواهن، والله المستعان.

١٥٣٦. [ق] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ». [خ:٣٣٣١]
1. توجيه الرجال بتحمل ما قد يظهر من النساء من تصرفات؛ لأنهم أقدر على الاحتمال والصبر منهن.
2. أهمية معرفة المربي لطبيعة من أراد تقويمه وتهذيبه، وهذه المعرفة من المعينات على أداء المهام التربوية والدعوية.

١٥٣٧. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، يَقُولُ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ». [خ:٣٣٣٦]
الغَريب: (خَلقنا): اخْترعنا. (الإنْسان): آدم. و(السُّلَالة): خُلاصة الطِّين ورقيقه. و(جَعَلْناه): صيَّرناه؛ أي: ذريَّته. و(النُّطْفَة): القَطْرَة. و(القَرَار) والمستقرُّ: واحد، وهو موضع الاسْتقرار. و(مَكِين) أي: تتمكَّن فيه النُّطفة. و(العَلَق): الدَّم؛ لأنَّه يتعلَّق بما يجريه. و(المُضْغَة): قدْرُ ما يمضغهُ الماضِغُ مِن اللَّحم. و(آنفًا): السَّاعة. و(الأَشْراط): العَلامات. و(تَحْشر): تَجْمع وتَسوق. و(بُهْتٌ): بضمِّ الهاء، كأنَّه جمع بَهيت، كقَضيب وقُضْب، وهو الَّذي يبهت المقول له بما يفتريه عليه ويَخْتَلِقُهُ./ و(يَخْنَز الطَّعَام): تتغيَّر رائحتُه. و(أَجْنَاد): أصْناف. و(مُجَنَّدَة): مُصنَّفة. و(تَعارفَ): تناسَبَ. و(ائْتلفَ): اتَّفق. و(اخْتلفَ): تناكَرَ كالهرِّ والفَأر. ووقَعَ هنا: (أَخْيَرُنا وَابْن أَخْيَرِنَا) على الأصْل. وفَصِيحُهُ: خَيرُنا وابن خيرِنا؛ أي أكثرنا خيرًا. وقوله: (يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) أي: المنيُّ يجمع في هذه المدَّة، فإنَّه يقع في الرَّحم مبثوثًا، فيصير في هذه المدَّة مُضغة؛ أي: قَدْر ما يمضَغُه الماضِغُ.
1. قال النووي: «قال العلماء: معناه جموع مجتمعة، أو أنواع مختلفة، وأما تعارفها فهو لأمر جعلها الله عليه، وقيل: إنها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها، وتناسبها في شيمها».
2. وقال الخطابي: تآلفها هو ما خلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ، وكانت الأرواح قسمين متقابلين، فإذا تلاقت الأجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه، فيميل الأخيار إلى الأخيار، والأشرار إلى الأشرار».

(٤٢) كتابُ الأَنْبِياءِ


١- بابٌ: في قولِهِ تعالىَ: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦۤ﴾ الآيةَ [هود: ٢٥]


• [خت] قال ابن عبَّاس: ﴿بَادِیَ ٱلرَّأۡیِ﴾ [هود:٢٧] ما ظهَرَ لنا، ﴿أَقۡلِعِی﴾ [هود:٤٤]: أمسكي، ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠]: نبَع الماء.
• [خت] وقال عِكْرمة: وجه الأرض.
• [خت] وقال مجاهد: ﴿ٱلۡجُودِیِّ﴾ [هود:٤٤]: جبل بالجزيرة.
وسيأتي قوله ﷺ: «ما مِن نبيٍّ إلَّا أنذَرَ قومه الدَّجَّال، لَقَدْ أَنْذَرَهُ قومَه نوحٌ». [ر:٣١٢٠، ٣١٢٣]، وقولُهُ في حديثِ الشَّفاعةِ مُخْبِرًا عَنِ القائلينَ لنوحٍ: «يا نوحُ! أنتَ أوَّلُ الرُّسُلِ إِلى الأرضِ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكورًا». [ر:٢١٠١]
١٥٣٨. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ الله: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]» وَالوَسَطُ: العَدْلُ. [خ: ٣٣٣٩]
1. فيه عدالة هذه الأمة واختيارها للشهادة على الأمم الأخرى، وهذا شرف عظيم.

٢- بابٌ: في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلۡیَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِینَ﴾ [الصافات:١٢٣]، وقولِهِ: ﴿وَرَفَعۡنَـٰهُ مَكَانًا عَلِیًّا﴾ [مريم:٥٧]


• [خت] يُذكَرُ عن ابنِ مَسْعودٍ وابنِ عبَّاسٍ أنَّ إلياسَ هو إدريسُ.
١٥٣٩. [ق] عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أبي ذَرٍّ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ». وذكر حديث الإسْراءِ، وسيأتي إِن شاء الله [ر:١٧٨٣]، وفيه: وَقَالَ أَنَسٌ: «فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ»./

٣- بابٌ: في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودࣰا﴾ [هود:٥٠]، وقولِهِ ﴿أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ٢ [الأحقاف:٢١]، وقولِهِ: ﴿وَأَمَّا عَادࣱ فَأُهۡلِكُوا۟ بِرِیحࣲ صَرۡصَرٍ عَاتِیَةࣲ﴾ الآيةَ [الحاقة: ٦]


(الأحْقاف): جمع حِقْفٍ، وهو الكومُ مِن الرَّمل. و(الصَّرْصَر): الشَّديدُ البُرودة.
و(عَاتيةٌ): عتيَّةٌ على الخُزَّانِ، قاله ابن عُيَيْنَةَ. و(حُسومًا): مُتَتابعة. و(أَعْجاز نَخْلٍ): أصولها. و(باقية): بقيَّة.
١٥٤٠. [ق] عَنِ ابنِ عبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ: «نُصِرْتُ بالصَّبَا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُور». [خ: ٣٣٤٣]
(الصَّبَا): الرِّيح الشَّرقية، و(الدَّبُور): الغربيَّة.
1. قال القنوجي: «وبالجملة لما كانت الصَّبا ناصرة للنبي ﷺ أخذت الشعراء ذكرها في تغزلهم ونشيدهم، وتعلقوا بها تعلقاً تاماً عاماً لا يخلو عنه غالب كلامهم».

٤- بابٌ: في ذي القَرْنين ويَأْجُوج ومَأْجُوج، وقولِهِ تعالى: (﴿وَیَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِی ٱلۡقَرۡنَیۡنِ﴾إلى قولِهِ﴿نَقۡبࣰا﴾[الكهف: ٨٣- ٩٧]


(﴿زُبَرَ ٱلۡحَدِیدِ﴾ [الكهف:٩٦]): واحدتُها زُبْرَةٌ، وهي القِطَعُ. و(﴿ٱلصَّدَفَیۡنِ﴾ [الكهف:٩٦]): ابْنُ عبَّاسٍ: الجَبَلَينِ. (﴿خَرۡجًا﴾ [الكهف:٩٤]): أَجْرًا. (﴿أُفۡرِغۡ عَلَیۡهِ قِطۡرࣰا﴾ [الكهف:٩٦]): أَصْبُبْ عليه رَصَاصًا، ويُقالُ: الحديدُ، ويُقالُ: الصُّفْرُ. ابنُ عبَّاسٍ: النُّحَاسُ. (﴿جَعَلَهُۥ دَكَّاۤءَ﴾ [الكهف:٩٨]): ألزقهُ بالأرضِ، وناقةٌ دَكَّاءَ: لا سَنَام لها. والدَّكْدَاك مثله، حتَّى صَلُبَ وتَلَبَّد.
• [خت] قال قتادة: (و﴿حَدَبࣲ﴾ [الأنبياء:٩٦]): أَكَمَةٌ.
• [خت] وقال رجلٌ للنَّبيِّ ﷺ: رأيتُ السَّدَّ مثل البُرْدِ [المُحَبَّرِ]. فقال: «رأيتَهُ».
١٥٤١. [ق] عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا، فقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ». [خ: ٣٣٤٦]
1. الفزع لا يشغل قلب المؤمن عن ذكر الله عند الخوف؛ لأنه بذكر الله تطمئن القلوب.
2. يحصل الهلاك العام بسبب كثرة المعاصي وانتشارها وإن كثر الصالحون.
3. المصائب تعم الناس جميعاً صالحين وفاسدين، ولكنهم يُبعثون على نياتهم.

١٥٤٢. [ق] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ ﷿: يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ. فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِیدࣱ﴾ [الحج: ٢]». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَيُّنَا ذَلِكَ الوَاحِدُ؟ قَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ». ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا، قَالَ: «أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ». فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ». [خ: ٣٣٤٨]
الغريب: (الرَّدْمُ): السَّدُّ؛ لأنَّه رُدِمَ. و(يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ): أمَّتان عظيمتان، وهم أكثر الأمم، وإنَّما خُصَّ آدم بأنْ قيل: (أَخْرِجْ بعثَ النَّارِ) لأنَّ اللهَ تعالى قد جمع له جميع نَسَمِ بنيهِ المتوالدين منه إلى يوم القيامة، ودليل ذلك أنَّ نبيَّنا ﷺ قد رأى آدم ليلة الإسراء في سماء الدُّنيا، وعن يمينه أَسْوِدَةُ أهل اليمين، وعن يساره أَسْوِدَةُ أهل الشِّمال. وقوله: (مَا أَنْتُمْ فِي الأُمَمِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِيْ جِلْدِ الثَّوْرِ الأَبْيَضِ) يعني: في المحشر، وأمَّا في الجنَّة فهم نِصْف أهل الجنَّة، وكلُّ مَن يدخلها مِن سائر الأمم النِّصف الآخر.

١ الصحابي الذي سأل النبي ﷺ عن قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) هو:

٥/٠